في الوقت الذي كانت فيه أنظار اللبنانيين تتجه نحو واشنطن، في أولى جلسات التفاوض المباشر بين لبنان واسرائيل منذ سنوات، في محاولة لإيجاد "طوق نجاة" يخرج البلاد من نفق الحرب المظلم، اختار "حزب الله" أن يرسل بريده الخاص عبر صليات الصواريخ والمسيّرات. فبعد أن كانت العمليات الميدانية طوال الفترة الماضية تتوزع وتتنوع بين التصدي لمحاولات التوغل داخل الأراضي اللبنانية وبين استهداف المواقع الحدودية، شهدت لحظة انطلاق المفاوضات تحولاً جذرياََ، حيث تركّزت كافة الرشقات الصاروخية نحو مستوطنات شمال إسرائيل.
لقد شهد المسار الميداني انعطافة تزامنت بدقة مع انطلاق المفاوضات، فبعد أن كانت العمليات تتركز في السابق على التصدي لمحاولات التوغل داخل الأراضي اللبنانية واستهداف المواقع الحدودية، تغيرت البوصلة بشكل لتتحول نحو شمال اسرائيل. وبالنظر إلى البيانات، نجد أن جميع العمليات التي أعلن عنها الحزب مع بدء المفاوضات، باستثناء العملية رقم (29) التي استهدفت تجمعات عند أطراف مدينة الخيام، كانت مركزة بالكامل باتجاه المستوطنات في شمال إسرائيل، مما يعكس قراراً واضحاً بتوجيه "رسائل نارية" للضغط على مسار التفاوض.
هذا التصعيد الميداني لم يأتِ منفصلاً عن الخطاب السياسي للحزب، بل جاء ترجمة حرفية لمواقف قياداته التي أعلنت "التمرد" الصريح على توجهات الدولة. فقد اعتبر الشيخ نعيم قاسم في كلمته أن هذه المفاوضات "عبثية" وتمثل "سلسلة من التنازلات المجانية"، مؤكداً رفضه المطلق لأخذ لبنان نحو هذا المسار دون "إجماع لبناني"، وهو ما يضع الحزب في مواجهة مباشرة مع السلطة التنفيذية التي تحاول إيجاد مخرج للأزمة عبر القنوات الدولية.
ولم يتوقف الأمر عند التصريح السياسي العام، بل جاء كلام وفيق صفا، عضو المجلس السياسي، ليضع "فيتو" مسبقاً على النتائج، حيث أعلن بوضوح أن الحزب "غير مهتم إطلاقاً" بما سينتج عن محادثات واشنطن، مؤكداً أنهم "غير ملزمين" بما يتم الاتفاق عليه. هذا الموقف يفرغ الجهد الدبلوماسي للدولة من محتواه، ويظهر الحكومة اللبنانية أمام المجتمع الدولي كطرف يفاوض بلا أدوات ضغط فعلية على الأرض، بينما يمتلك الحزب "الكلمة الفصل" في الميدان.
وفي ذروة الوقت الذي كان يجلس فيه المفاوضون، نفذ الحزب عمليات واسعة كشفت عن استراتيجية "التزامن"، حيث انطلقت صليات صاروخية متتالية وأسراب من المسيّرات الانقضاضية بين الساعة 17:30 و20:55، مستهدفةً قائمة طويلة من المستوطنات مثل نهاريا، كريات شمونة، المطلة، وأفيفيم. هذه الكثافة النارية بالتزامن مع انعقاد اللقاء في واشنطن لم تكن صدفة، بل كانت تأكيداً على أن الحزب يرفض تغيير بوصلته من "عدم التفاوض" إلى "التفاوض المباشر"، مفضلاً لغة القصف لفرض معادلاته الخاصة بعيداً عن أروقة الدبلوماسية الرسمية.