دخل لبنان عند منتصف ليل الخميس في وقفٍ لإطلاق النار، وذلك إثر إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصته "تروث سوشيال"، أنّ قادة إسرائيل ولبنان اتفقوا على وقفٍ لإطلاق النار لمدة عشرة أيام.
إثر ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي أنّه، مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، يواصل التمركز في مواقعه في جنوب لبنان.
أمّا بالنسبة إلى «حزب الله»، فقد استمرت حتى منتصف ليل الخميس الماضي إعلاناته المتكررة عن عملياته، مؤكّدًا أنّها تأتي «ردًّا على خرق العدوّ لاتفاق وقف إطلاق النار»، لتتوقّف تحديدًا عند منتصف الليل، من دون أي إشارة لاحقة في البيانات العسكرية أو التصريحات السياسية إلى أنّ هذا التوقف يأتي التزامًا بالهدنة التي أعلن عنها ترامب. وذلك في محاولة منه التأكيد إلى ان ما يعنيه بوقف إطلاق النار هو الهدنة التي أعلن عنها في باكستان بين الولايات المتحدة وإيران باعتبار انها تشمله ايضًا. وهذا ما تشير اليه إلى ان بياناته منذ ذلك الحين لم يطرأ تبدل عليها.
وبهذا دخل لبنان، بالنسبة إلى وقف إطلاق النار، في حالةٍ متداخلة من المسارات السياسية والأمنية، ابرزها اثنان:
- الأول هو وقف إطلاق النار الذي أعلنت عنه الولايات المتحدة، والذي يندرج ضمن المسار اللبناني الرسمي لمبادرة رئيس الجمهورية بالتفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية.
- أما الثاني، فهو المسار الذي يتبناه «حزب الله»، وهو المسار الإيراني الذي يربط لبنان بمصير المفاوضات الأميركية– الإيرانية الجارية في إسلام آباد، والتي تنتهي مهلة وقف اطلاق النار فيها في 22 نيسان الجاري، مع إمكانية تمديدها.
لكن من الضروري في هذا المجال الإضاءة على النتيجة التي تمخضت عنها عملية مساندة «حزب الله» لإيران في حربها على ارض الواقع في الجنوب اللبناني، والتي يظهر ان أمرًا واقعًا قد بدأ بالتشكل ويظهر انه سوف يأخذ طابع الاستدامة. وهو يظهر وفق التالي:
- السيطرة الإسرائيلية بالنار وبالتواجد العسكري المباشر على منطقة تمتد من مزرعة بيوت السياد الساحلية غربًا، التي تبعد نحو 8 كلم عن الحدود، وصولًا إلى حدود بلدة عين عطا المقابلة لجبل الشيخ شرقًا، والتي تبعد نحو 7 كلم عن الحدود، مرورًا ببيت ياحون شمال مدينة بنت جبيل (على بُعد نحو 10 كلم)، والقصير (نحو 10 كلم أيضًا)، وشمال مدينة الخيام الاستراتيجية، وصولًا إلى إبل السقي التي تبعد حوالي 10 كلم. وتشمل هذه المساحة أكثر من 55 قرية، وتُقدَّر بنحو 700 كلم².
- التوجّه نحو التدمير الكامل للبلدات والمدن ذات الغالبية الشيعية ضمن النطاق المذكور أعلاه، وهو ما تظهره عمليات التفجير اليومية والتدمير ويصل الينا من خلال الصور والفيديوهات بحيث بدأ يظهر على هذه البلدات والمدن طابعًا تصحريًا، بما يعنيه ذلك من تقويض إمكانية العيش فيها مستقبلًا ايضًا.
- حرية التصرّف الميداني بالغارات والاستهداف بالطائرات المسيرة واستنساخ نموذج "الخط الأصفر" المعتمد في غزة، لجهة التعامل المباشر مع ما يُوصَف بالتهديدات شمال الخط الذي حدده بيان الجيش الإسرائيلي، والذي يمتد من مزرعة بيوت السياد إلى مجدل زون، زبقين، ياطر، صربين، حداثا، بيت ياحون، شقرا، مجدل سلم، قبريخا، فرون، زوطر الغربية، يحمر الشقيف، أرنون، دير ميماس، مرجعيون، إبل السقي، الماري، كفرشوبا، عين قنيا، وصولًا إلى عين عطا.
- تُظهر هذه الوقائع أنّ نتائج ما سُمّي بـ«معركة إسناد إيران» أدّت إلى تحويل منطقة جنوب الليطاني إلى ساحة عمليات عسكرية متقطّعة وهو ما ظهر في اكثر من استهداف طال منصات صواريخ وعناصر لحزب الله، فيما تحوّلت المنطقة الممتدة حتى عمق 10 كيلومترات من الحدود إلى ما يشبه منطقة No Man’s Land" " وبذلك تكون إسرائيل قد تجنّبت كلفة الاحتلال المباشر وإدارة منطقة محتلة، بما ينطوي عليه ذلك من أعباء لوجستية ومخاطر.
في مقابل هذه الوقائع الميدانية، يقوم «حزب الله» بإظهار التزامه بوقف إطلاق النار وفق التوقيت الإيراني، ساعيًا إلى تحميل الحكم في لبنان ممثلا برئيس الجمهورية والحكومة كلفة انتظار تطورات المفاوضات الإيرانية– الأميركية، أو إلى تغطية إخفاقه الميداني التام عبر الترويج لسردية مفادها أنّ الإسرائيليين لن يثبتوا في النقاط التي قرروا البقاء فيها، وأنه سيعمل لاحقًا على إزعاجهم وتحرير الأرض.
في المقابل، لم تطرح إسرائيل مسألة احتلال الأرض بقدر ما طرحت فكرة «ترميدها» والسيطرة عليها ناريًا. وهو ما حدث في غزة، إلا أنّه، للمفارقة، تحقق هناك على مدى نحو سنتين من المواجهات، بينما تحقق في حالة حزب الله خلال أقل من 40 يومًا وعلى مساحة أكبر بكثير!