في الوقت الذي يزج "حزب الله" اللبنانيين عموما، وبيئته خصوصا، في حروب إيرانية مدمرة، لا يتوانى بعد كل التهجير والقتل والاحتلال، عن الاستمرار في محاولة استغلال النازحين كوقود لاثارة الفتن المذهبية والتحريض على جهود رئيس الحكومة نواف سلام لفتح مسار ديبلوماسي يوقف الحرب.
لكن مقابل ذلك، يختفي نواب الحزب ويترمون ناسهم في الشارع كرأس حربة للمواجهة، وهنا يبرز تساؤل جوهري حول الدور الفعلي لما يسمى "كتلة الوفاء للمقاومة"، التي تحولت عند أول استحقاق ميداني إلى كتلة "اختفاء" تام دام لأيام طوال عن الشاشات والساحات، فبينما تُقاد البلاد نحو مواجهات عسكرية بقرار أحادي وانتحاري، يهرب هؤلاء النواب من مسؤوليتهم السياسية والأخلاقية، ويتحول حضورهم المفترض كـ "ممثلين للأمة" إلى مجرد صدى رقمي لبيانات "الإعلام الحربي" عبر تطبيق تلغرام. هذا الغياب الممنهج لنواب يمثلون "بيئة" يعكس بوضوح تقديم الأجندة العسكرية والأمنية على أي اعتبار إنساني أو وطني، تاركين المواطنين لمواجهة مصيرهم.
وتتجلى المفارقة في سلوك ميليشيا حزب الله المحظورة تجاه الدولة اللبنانية، ففي حين يتم تهميش مؤسسات الدولة وصادرة قرارها السيادي في أوقات السلم، تبدأ البيئة التابعة للحزب وجمهوره بمناشدة هذه الدولة نفسها عند وقوع الكارثة. يظهر هنا نوع من الانفصام السياسي، حيث يتم التعامل مع الدولة كعدو أو عائق أمام مشروع السيادة، ثم تُستدعى كمنقذ وحيد ومسؤول عن الإغاثة والإيواء في أوقات الحرب، وكأن الحزب الذي جرّ البلاد إلى الدمار ليس جزءاً من هذه السلطة وسبب هذا الانهيار.
وفي سياق توزيع الأدوار، تبرز ازدواجية واضحة في التعاطي مع رئاسة مجلس النواب. فبينما تُصوب السهام نحو رئاسة الحكومة عند كل قرار، يبقى رئيس مجلس النواب نبيه بري في مأمن من أي هجوم أو نقد مباشر من بيئة الحزب، رغم أنه الشريك الفعلي والمطلع على كافة القرارات التي تصدر. هذا "الصمت الممنهج" تجاه عين التينة يؤكد أن الهجوم على الدولة ومؤسساتها ليس إلا محاولة للتملص من المسؤولية المباشرة، مع الحفاظ على الغطاء السياسي الذي يؤمنه بري لهذا النهج.
إن مشهد "تغريق" اللبنانيين في أزمات وحروب لا ينتهي، ثم الاختباء خلف شاشات الهواتف والبيانات المسجلة، يضع علامات استفهام كبرى حول جدوى التمثيل النيابي لهؤلاء المسؤولين. فالدور المفترض للنائب هو الوقوف بجانب ناسه الذين انتخبوه وتحمل تبعات الخيارات السياسية، لا التحول إلى شبح رقمي يراقب الانهيار من خلف الستار، بانتظار أن تقوم الدولة بلملمة جراح خلفها قرار الحرب الفردي تنفيذًا لأجندة ايرانية.