شكّلت حادثة تبادل لاطلاق النار في بلدة الغندورية، بين شبان وعناصر ضد قوات "اليونيفيل" وأسفر عن إصابة عنصرين من الكتيبة الفرنسية، مؤشراً خطيراً يتجاوز كونه حادثاً أمنياً عابراً. فالحادثة التي وقعت بعد يوم واحد فقط من عودة الأهالي إلى قراهم عقب وقف إطلاق النار، تكشف بوضوح كيف يتلطى حزب الله وراء الأهالي ويحتمي بهم كدروع بشرية لإعادة فرض سيطرته الأمنية على قرى الجنوب. وفي أول رد فعل رسمي يعكس خطورة الموقف، استنكر رئيس الحكومة نواف سلام الاعتداء على عناصر "اليونيفيل"، مؤكداً أنه أعطى تعليمات مشددة بفتح تحقيق فوري ومحاسبة المرتكبين.
فإن نمط هذه الاحتكاكات لا يبدو عفوياً، بل يعكس استخدام حزب الله المتكرر للأهالي كغطاء في مواجهة القوات الدولية، ما يضع "اليونيفيل" في موقع الاشتباك المباشر، ويعقّد مهمتها ويزيد من حساسية انتشارها في المنطقة.
وعند قراءة هذه الحوادث ضمن سياقها الزمني، يتضح مسار تصاعدي في حدّتها. ففي عام 2026، ومع اندلاع الحرب في آذار، دخلت الاحتكاكات مرحلة أكثر خطورة، حيث سُجّلت حوادث إطلاق نار استهدفت دوريات في بلدات مثل ياطر ودير كيفا وقلاوية، وسط مؤشرات إلى تورط مجموعات مسلحة غير نظامية، ما دفع "اليونيفيل" إلى الرد بإطلاق النار دفاعاً عن النفس.
هذا التصعيد لم يكن وليد اللحظة. ففي عام 2025، تكرّرت حوادث الاعتراض والتوتر. ففي كانون الأول، شهدت بلدة الطيري حادثة إطلاق نار مباشر على دورية دولية من قبل شبان على دراجات نارية، فيما سجلت بلدة بدياس في حزيران صداماً عنيفاً تخلله إطلاق نار في الهواء واستخدام الغاز المسيل للدموع. أما في أيار، فقد شهدت بلدة شقرا احتكاكاً مع دورية فنلندية على خلفية اتهامات بالتصوير، تطور إلى تدافع قبل انسحابها.
أما في عام 2024، فكانت المؤشرات الأولية لهذا المسار قد بدأت بالظهور. من اعتراض دورية في رميش ومنعها من التقدم، إلى حادثة الجميجمة حيث صودرت معدات من آلية دولية وسط اتهامات بتجاوز المهام.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن حادثة مقتل الجندي الإيرلندي في كانون الأول 2022، والتي شكّلت نقطة تحوّل خطيرة في العلاقة بين القوات الدولية والسكان المحليين، بعدما تعرضت دوريته لإطلاق نار، ما استدعى ردود فعل دولية واسعة.
بناءً على ما تقدم، لم يعد إشكال الغندورية مجرد "سوء تفاهم" محلي، بل هو إعلان نيات صريح من حزب الله بأنه لن يسمح لأي ترتيبات دولية أو أمنية ما بعد الحرب بأن تحد من نفوذه. إن الإصرار على استهداف "اليونيفيل" في أول يوم للعودة هو محاولة لفرض واقع ميداني جديد، يبعث برسالة مفادها أن السيطرة الأمنية في الجنوب ستبقى بيد "المربعات المسلحة" لا الدولة.