القائمة
10:00 19 أبريل 2026

بانوراما | لبنان في المنطقة الرمادية: هدنة تتآكل بين ضغط “هرمز” وميدان الجنوب

محلية

لم يكن الأسبوع اللبناني أسبوع تهدئة بقدر ما كان انتقالاً واضحاً إلى مرحلة “ما بين الحرب والتسوية”. هدنة قائمة شكلاً، لكنها عملياً محكومة بتوازنات إقليمية متقلبة، خصوصاً مع عودة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران بعد إغلاق مضيق هرمز وتعثر استكمال المفاوضات. في هذا السياق، لم يعد لبنان ساحة منفصلة، بل جزءاً مباشراً من مسار تفاوضي أوسع، حيث ترتبط استقراره وحدود التصعيد فيه بمآلات التفاهم الأميركي–الإيراني.

ميدانياً، تعاملت إسرائيل مع الهدنة كفرصة لإعادة صياغة الجبهة الشمالية، لا لتجميدها. الخروقات اليومية، عمليات النسف والتدمير المنهجي، واستمرار السيطرة على عشرات البلدات، كلها تعكس توجهاً ثابتاً: تثبيت واقع جديد على الأرض.

بين “الخط الأصفر” والمسار السياسي

الأخطر يتمثل في الدفع نحو فرض ما يسمى بـ “الخط الأصفر”، أي إنشاء نطاق أمني بالنار يمنع عودة السكان إليه، ويمنح الجيش الإسرائيلي هامشاً مفتوحاً للاستهداف والتدمير داخله. هذا المسار لا يعكس مجرد إجراء عسكري مؤقت، بل محاولة تدريجية لإعادة تعريف الحدود الأمنية للبنان، وتحويل الجنوب إلى منطقة خاضعة لميزان قوة دائم، لا لخط وقف إطلاق نار قابل للاستقرار.

في المقابل، بدا لبنان الرسمي في حالة انتقال من إدارة الأزمة إلى التحضير لما بعدها. النقاشات بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لم تعد محصورة بتثبيت التهدئة، بل توسعت لتشمل الاستعداد لمرحلة تفاوضية محتملة، سواء مباشرة أو عبر وسطاء.

هناك إدراك داخل الدولة بأن الهدنة، إذا صمدت، ستتحول سريعاً إلى مسار سياسي، لكن هذا المسار محكوم بعقدة مركزية: ملف سلاح حزب الله، الذي لم يعد شأناً داخلياً، بل بات جزءاً من مساومة إقليمية بين واشنطن وطهران، مع حضور عربي يسعى لضبط الانزلاق ومنع فرض تسوية أحادية على لبنان.

“حزب الله”: رفض حاسم

في هذا الإطار، رفع الحزب سقف خطابه السياسي خلال الأسبوع، رافضاً أي تفاوض من موقع ضعف، ومؤكداً أن أي صيغة تستهدف سلاحه أو دوره ستواجه برفض حاسم. هذا التصعيد يعكس إدراك الحزب أن مركز الثقل بدأ ينتقل من الميدان إلى السياسة، وأن المرحلة المقبلة ستدور حول شروط إعادة تشكيل التوازن الداخلي، لا حول وقف إطلاق النار فقط.

في الوقت نفسه، عكست مواقف قياداته، ولا سيما الدعوة إلى عدم التسرع في العودة إلى القرى، قراءة ميدانية حذرة بأن الجنوب لا يزال ساحة غير مستقرة، وأن الوقائع المفروضة قد تتبدل سريعاً.

الغندورية: هشاشة السيطرة الأمنية

على الخط الأمني، برزت حادثة الغندورية كأخطر تطور خلال الأسبوع، ليس فقط بسبب مقتل جندي فرنسي من قوات اليونيفيل، بل بسبب ما كشفته من هشاشة عميقة في بنية السيطرة الميدانية جنوباً.

الحادثة، وفق المعطيات المتداولة، وقعت إثر وصول دورية تابعة لقوات التدخل السريع (FCR) إلى البلدة، وهي قوة تتميز بقدرتها على التحرك من دون تنسيق مسبق كامل مع الجيش اللبناني، ما يضعها في تماس مباشر مع بيئة محلية شديدة الحساسية.

التوتر في الغندورية لم ينشأ في فراغ. المنطقة تعيش أصلاً تحت ضغط ميداني نتيجة التفجيرات الإسرائيلية المتواصلة في القرى المجاورة، واحتقان الأهالي من استمرار العمليات العسكرية، إلى جانب حساسية أي تحرك دولي بالقرب من نقاط يُشتبه بارتباطها ببنى حزبية.

هذا التداخل بين العوامل الميدانية والنفسية والأمنية جعل من مجرد احتكاك محدود شرارة كافية لتحوله إلى اشتباك مسلح، انتهى بسقوط قتيل وجرحى في صفوف القوة الدولية.

خطورة الحادثة لا تكمن فقط في وقوعها، بل في توقيتها. فهي أول حادثة من هذا النوع منذ بدء الهدنة، وجاءت في لحظة تحاول فيها الدولة اللبنانية إقناع المجتمع الدولي بأنها قادرة على ضبط الجنوب ومنع الانفلات، لكنها أثبتت أن الحزب ما زال قادراً على إتقان “سيناريو” الأهالي والتلطي خلفه من أجل تحدي سلطة الدولة والتزاماتها، كما أنها تفتح الباب أمام ضغوط دولية إضافية.

في المقابل، تضع الحادثة الحزب في موقع حرج، بين نفي المسؤولية المباشرة، وبين واقع أن البيئة التي يتحرك فيها لا تزال قادرة على إنتاج احتكاكات من هذا النوع.

الأخطر أن حادثة الغندورية قد تتحول إلى نموذج مصغر لما يمكن أن يحدث لاحقاً: تعدد قوى على الأرض، غياب تنسيق كامل، احتقان محلي، وضغط عسكري إسرائيلي مستمر.

هذا الخليط يجعل أي خطأ تكتيكي قابلاً للتحول إلى أزمة استراتيجية، خصوصاً إذا تكرر أو إذا استُخدم كذريعة لإعادة فتح ملف انتشار القوات الدولية وصلاحياتها، أو للضغط على لبنان في مسار التفاوض المقبل.

ماذا يعني خطاب نعيم قاسم؟

يحمل الخطاب ثلاث دلالات تتجاوز مضمونه التعبوي المباشر، إذ يعكس انتقال الحزب إلى تثبيت “معادلة ما بعد الهدنة”: 

- أولاً، تأكيد أن أي مسار سياسي سيكون محكوماً بنتائج الميدان وليس العكس، ما يعني رفض مسبق لأي تفاوض يُفضي إلى نزع سلاحه تحت الضغط.

-  ثانياً، ربط وقف إطلاق النار بمسار إقليمي أوسع، خصوصاً التفاهمات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، لتأكيد أن قرار التهدئة ليس لبنانياً خالصاً.

- ثالثاً، إبقاء الجهوزية العسكرية قائمة عبر معادلة “الرد على الخروقات”، ما يحوّل الهدنة إلى إطار هش قابل للانفجار عند أي اختبار ميداني.

بمعنى أدق، الخطاب لا يعلن نهاية المواجهة، بل يحدد شروط المرحلة المقبلة: تفاوض من موقع قوة، رفض إعادة إنتاج ميزان داخلي جديد على حساب الحزب، واستعداد مفتوح لاحتمال عودة التصعيد. وهذا يتقاطع مع مشهد “الاستقرار المعلّق” الذي تعكسه البانوراما، حيث تبقى السياسة امتداداً للميدان، لا بديلاً عنه

الاستقرار المعلّق

في المحصلة، يكشف الأسبوع أن لبنان دخل مرحلة دقيقة من “الاستقرار المعلّق”. هدنة تتآكل تدريجياً، إسرائيل تفرض وقائع ميدانية، إيران تفاوض من موقع الحفاظ على أوراقها، الولايات المتحدة تضغط لربط التهدئة بشروط سياسية، والدولة اللبنانية تحاول الاستعداد لمسار تفاوضي معقد من موقع هش.

أما الجنوب، فقد أثبت في الغندورية أنه لا يزال قابلاً للاشتعال في أي لحظة، وأن الاستقرار فيه ليس أكثر من توازن مؤقت، بانتظار ما ستقرره العواصم الكبرى.

السؤال لم يعد إن كانت الهدنة ستصمد، بل كيف ستُستخدم: كمدخل لتسوية مضبوطة… أم كمرحلة انتقالية لإعادة إنتاج الصراع بشروط جديدة.