في لحظة سياسية دقيقة يمرّ بها لبنان، برز موقف وزير المالية ياسين جابر كإشارة لافتة إلى تحوّل في الخطاب داخل بيئة يُفترض تقليدياً أنها أكثر قرباً من حزب الله. فالرجل، المحسوب على حركة أمل، لم يكتفِ بالخروج عن السردية السائدة التي يروّج لها حزب الله بأن ايران من اوقفت اطلاق النار في لبنان ، بل ذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن مفتاح وقف إطلاق النار لا يكمن في الشعارات، بل في الضمانات الدولية، وتحديداً الأميركية.
هذا الطرح يضرب بشكل مباشر خطاب "شكراً إيران"، الذي تصاعد عقب جولات التصعيد الأخيرة، حيث يُنسب الفضل في "الصمود" إلى الدعم الإيراني. إلا أن جابر، في مقاربته الواقعية، يعيد رسم موازين القوى الفعلية، مشيراً إلى أن لبنان، في نهاية المطاف، يعتمد على تفاهمات دولية معقدة، تتصدرها الولايات المتحدة، إلى جانب دور عربي متنامٍ، لا سيما المملكة العربية السعودية، في تثبيت الاستقرار الداخلي.
ولعلّ الأهم في موقف جابر هو إقراره الصريح بموقف سابق بأن التواصل المباشر مع اسرائيل في واشنطن يشكّل "مفتاحاً لوقف إطلاق النار". هذا الكلام لا يمكن فصله عن إدراك متزايد داخل بعض الأوساط السياسية بأن كلفة التصعيد، اقتصادياً ومالياً، باتت تفوق قدرة لبنان على الاحتمال، خصوصاً في ظل الانهيار المستمر. ولم يقتصر موقف جابر على التصريحات السياسية، بل ترجم أيضاً في خياراته داخل مجلس الوزراء، حيث صوّت على قرارات الحكومة التي تقضي بحظر الأنشطة العسكرية لـحزب الله، وبيروت مدينة خالية من السلاح. وهي خطوة تحمل دلالات سياسية واضحة، إذ تعكس توجهاً نحو تعزيز سلطة الدولة وحصر القرار الأمني والعسكري بمؤسساتها الرسمية.
في المقابل، يضع هذا الموقف حزب الله أمام معادلة حساسة: فبينما يواصل الحزب التمسك بسردية "الانتصار" المرتبطة بالدعم الإيراني، تأتي مواقف من داخل البيئة السياسية الحليفة لتُذكّر بأن القرار النهائي في لحظات الحسم لا يُصنع في الميدان، بل على طاولات التفاوض الدولية.
سياسياً، يمكن قراءة كلام جابر كرسالة مزدوجة: الأولى للخارج، ومفادها أن لبنان الرسمي لا يزال يراهن على الشراكات الدولية والعربية لضمان الاستقرار، والثانية للداخل، وتحديداً لحزب الله، بأن الخطاب التصعيدي لم يعد كافياً لتبرير الأثمان الباهظة التي يدفعها اللبنانيون.
في المحصلة، لا يمكن التعامل مع موقف ياسين جابر على أنه مجرد رأي عابر، بل هو مؤشر على تصدّع في السردية التقليدية، ومحاولة لإعادة توجيه البوصلة نحو مقاربة أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية، في بلد لم يعد يحتمل ترف الشعارات.