في اللحظة التي يحاول فيها لبنان الخروج من رماد الحرب، طلّ فيها رئيس الجمهورية بخطابٍ يضع الإنسان قبل الساحة، والوطن قبل المحور، خرج النائب السابق نواف الموسوي بلغةٍ تنتمي إلى عصور التصفية الجسدية والإلغاء السياسي. لقد كان كلام الرئيس عون واضحاً حين قال: "لن نكون ورقة في جيب أحد، ولن نكون ساحة لحروب أحد"، وهو ما يبدو أنه أصاب "عقلية المليشيا" عند الموسوي، فاستبدل منطق الدولة بمنطق الغابة.
إن التهديد الصريح بالقتل الذي وجهه الموسوي لرئيس الجمهورية، باستحضار مصير "أنور السادات" الذي تم اغتياله في6 تشرين الاول 1981 أثناء عرض عسكري بـالقاهرة ، نتيجة إطلاق نار من قبل عناصر بـ تنظيم الجهاد الإسلامي بقيادة خالد الاسلامبولي. جاء الاغتيال ردًا على توقيع معاهدة السلام مع اسرائيل (كامب ديفيد) 17ايلول 1978، ليس مجرد سقطة لسان، بل هو إعلان صريح بأن "ثقافة الموت" لا تزال ترى في كل من يطالب بسيادة لبنان ووقف النزف خائناً يستحق التصفية. هذا الكلام هو طعنة في ظهر اللبنانيين عامة، والشيعة خاصة، الذين دفعوا الأثمان الباهظة من بيوتهم وأرواحهم، ليأتي الموسوي اليوم ويصنف "العقلانية" خيانة، و"الحياة بكرامة" انتحاراً، مصراً على أن يبقى الشيعي اللبناني مجرد "رقم للموت" في حسابات القوى الخارجية، لا مواطناً في دولة تحميه وتحفظ كرامته.
ولم يقف التعدي عند حدود التهديد بالقتل، بل تجاوز ذلك إلى محاولة تقويض الركيزة الأساسية التي بنى عليها رئيس الجمهورية خطابه للإنقاذ، فبينما كان الرئيس يؤكد بحزم أن "بسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً" هو الهدف والمبتدأ، خرج نواف الموسوي ليخاطب عون بعبارات سوقية مثل "روح فيق وغسل وجك". إن هذا الاستعلاء لا يستهدف شخص القائد فحسب، بل يضرب صلب مشروع الدولة الذي أعلنه الرئيس حين شدد على وجود "قوى مسلحة واحدة تحمينا كلنا" هي محاولة يائسة لترهيب المؤسسة الضامنة للوحدة الوطنية، وتأكيد على أن نهج الموسوي يرفض منطق "الدستور الواحد والقانون الواحد"، مفضلاً بقاء لبنان ساحة مستباحة للسلاح غير الشرعي على حساب دماء اللبنانيين وأمنهم. إن إهانة الجيش في هذا التوقيت بالذات هي طعنة في وجدان كل لبناني يرى في البدلة العسكرية الملاذ الأخير والخلاص الوحيد من مغامرات المحور الذي استجلب الاحتلال لبنان.
لقد وضع رئيس الجمهورية النقاط على الحروف حين خيّر اللبنانيين بين "الازدهار والانتحار"، وبين "الدولة والساحة". أما رد الموسوي، فقد كشف القناع عن مشروع لا يرى في لبنان إلا متراساً، وفي شعبه إلا قرابين لأيران . إن استفزاز الموسوي يكمن في محاولته عزل الطائفة الشيعية عن محيطها الوطني وربط مصيرها بلغة الاغتيالات والتهديد، في وقت يتوق فيه الناس للأمان والعودة لبيوتهم تحت ظل علم البلاد. إن لبنان "الذي لن يُكسر" هو لبنان الذي يقرر عن نفسه، لا لبنان الذي يُهدد فيه الرئيس ويُهان فيه الجيش من أجل إرضاء الخارج.