شهدت بيروت أمس، نهارا طويلا مليئا بالاحداث والتكهنات، سبقت الاتصالين اللذين اجراهما رئيس الجمهورية جوزيف عون مع كل من وزير الخارجية الاميركي ماركو روبيو أولا، ومن ثم الرئيس الاميركي دونالد ترامب ثانيا.
فكيف تعاقبت التطورات أمس وصولا الى اعلان وقف اطلاق النار؟
وفي هذا الاطار، فإن ما جرى في بيروت أمس لم يكن مجرد ارتباك سياسي أو تضارب في التسريبات، بل لحظة كاشفة لانكشاف القرار اللبناني نفسه. محاولة فرض اتصال ثلاثي بين عون ورئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برعاية روبيو لم تكن خطوة تكتيكية لوقف النار، بل اختباراً قاسياً لمدى قدرة الدولة اللبنانية على الانتقال من موقع المتلقي للضربات إلى موقع الشريك في صياغة التسوية.
النتيجة جاءت واضحة: لبنان لم يصل بعد إلى هذه المرحلة.
فهرس المحتوى [إظهار]
جوهر الازمة
وقرار رفض الاتصال من قبل عون، كان في جوهره انعكاساً لتوازنات داخلية– إقليمية معقدة. الرئاسة الأولى، ومعها رئاسة الحكومة، أظهرتا استعداداً للانخراط في أي مسار يوقف الانهيار المتسارع، ولو تطلب ذلك مقاربات غير تقليدية. لكن محاولة الدفع الاميركية باتجاه حصول اتصال مباشر بين عون ونتنياهو، اصطدمت فوراً بسقف سياسي رفعه رئيس البرلمان نبيه بري، مدعوماً بإشارة مباشرة من طهران عبر رئيس مجلس الشوى الايراني محمد باقر قاليباف، مفادها أن لبنان ليس ساحة مستقلة عن مسار التفاوض الإقليمي.
في هذه النقطة تحديداً، يتكشف جوهر الأزمة:
الدولة اللبنانية تحاول أن تفاوض لتوقف الحرب، بينما القوى المرتبطة بالمحور ترى في الحرب نفسها جزءاً من التفاوض.
على الضفة المقابلة، لم تتعامل إسرائيل مع هذا التعقيد كعائق، بل كفرصة. فالتصعيد الميداني الذي تلا الرفض اللبناني لم يكن انفعالاً، بل ترجمة عملية لعقيدة تفاوضية واضحة: فرض الوقائع بالنار قبل تثبيتها سياسياً. استهداف البنية التحتية، عزل الجنوب، ضرب العقد الحيوية، كلها خطوات تهدف إلى دفع الدولة اللبنانية نحو لحظة قبول قسرية بشروط أمنية طويلة الأمد، تبدأ بمنطقة عازلة ولا تنتهي بإعادة تعريف دور الدولة جنوباً.
لكن ما يجعل المشهد أكثر خطورة، هو أن لبنان الذي يقبل اليوم على البدء بمفاوضات جدية مع إسرائيل لتثبيت وقف اطلاق النار، لا يمكنه أن يتجاهل أنه نقطة تقاطع لمسارات تُدار خارج حدوده أيضا.
جدة- أنطاليا
في جدة، جاء لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الحكومة الباكستاني شهباز شريف ليعكس مستوى آخر من معالجة الحرب مع ايران وفي لبنان. وبحسب معلومات "كواليس"، فإن النقاش لم يكن محصوراً بالعلاقات الثنائية، بل تناول صراحة مسار المفاوضات الأميركية– الإيرانية التي تُدار عبر قنوات تقنية في إسلام آباد. وباكستان هنا لا تلعب دور الوسيط التقليدي، بل منصة تفاوض منخفضة الضجيج، تُستخدم لتمرير أفكار واختبار مواقف بعيداً عن الإعلام والضغوط المباشرة.
السعودية، من جهتها، لا تقف خارج هذا المسار، لكنها لا تدخل فيه بالكامل بعد. هي تراقب، تواكب، وتستعد لمرحلة ما بعد التفاهم، حيث سيكون دورها أساسياً في تثبيت أي تسوية، سواء عبر الدعم الاقتصادي أو عبر إعادة إدماج لبنان في الفضاء العربي بشروط جديدة. وهذا يعني أن أي اتفاق لا يمر عبر تقاطع أميركي– إيراني– عربي لن يكون قابلاً للحياة.
بالتوازي، علمت "كواليس"، أن الرئيس السوري أحمد الشرع سيستغل حضوره منتدى أنطاليا الدبلوماسي لتثبيت إعادة تموضع سوري داخل المعادلة الإقليمية.
لقاءات الشرع مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، إلى جانب تواصله مع القيادة القطرية، حملت في طياتها نقاشاً مباشراً حول لبنان: حدوده، دوره، ومستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية والقوى غير النظامية على أرضه.
سوريا، في هذا السياق، تحاول استعادة موقعها كمنصة تنظيم إقليمي للحدود والتوازنات، مستفيدة من التحول العربي تجاهها، ومن حاجة الأطراف إلى قناة إضافية لضبط الاشتباك في لبنان. وهذا يضع الملف اللبناني ضمن مقاربة أوسع: ليس فقط وقف الحرب، بل إعادة ضبط الجغرافيا السياسية للمشرق.
وقف اطلاق نار غير تقليدي
هكذا، يتضح أن لبنان أصبح عقدة تلاقي بين ثلاثة مسارات رئيسية:
1- مسار أميركي– إسرائيلي يعمل على فرض ترتيبات أمنية جديدة بالقوة،
2- مسار إيراني يسعى للحفاظ على أوراقه التفاوضية ومنع خسارة الجبهة اللبنانية،
3- مسار عربي– إقليمي (السعودية، تركيا، باكستان، مع دور سوري متجدد) يحاول احتواء الانفجار وإنتاج توازن جديد
ضمن هذا التعقيد، يفقد مفهوم "وقف إطلاق النار" معناه التقليدي. ويصبح وقف اطلاق النار الحالي مرحلة انتقالية لإعادة تنظيم الحرب في الوقت الحالي تمهيدا لاعادة تثبيت وقفها، لأن أي تعثر في المسارات الإقليمية قد يعني إعادة اطلاق ايران للحرب من لبنان عبر حزب الله، ما يزيد تعقيدات الوضع الداخلي اللبناني.
الدولة محاصرة بين ضغط ميداني إسرائيلي، وسقف داخلي– إقليمي يمنعها من تقديم تنازلات، ومسارات دولية تُدار خارجها.
في هذا السياق، يتحول السؤال من "هل سيصمد وقف إطلاق نار؟" إلى "أي لبنان سيخرج من هذه المرحلة؟".
هل سيكون لبنان دولة أعيد تعريف دورها ضمن ترتيبات أمنية جديدة؟ أم ساحة مفتوحة تُستخدم كورقة تفاوض دائمة بين القوى الكبرى؟
الخلاصة أن ما فشل في بعبدا لم يكن اتصالاً هاتفياً، بل محاولة لفرض مسار قبل أوانه. وما يُطبخ اليوم بين جدة وإسلام آباد وأنطاليا هو الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة، لا البيانات الرسمية ولا المواقف الداخلية.