القائمة
12:36 12 مايو 2026

مانشيت | بين نار الجنوب ومفاوضات واشنطن: مسار سعودي - إيراني للاحتواء.. وعون يحدد شروط لبنان

لبنان

تدخل المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة في واشنطن مرحلتها الأكثر حساسية، وسط قناعة متزايدة داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية بأنّ ما يجري تجاوز منذ فترة طويلة حدود البحث في تثبيت وقف إطلاق النار جنوب لبنان، وبات جزءاً من عملية إعادة رسم أوسع للتوازنات الإقليمية، تشمل العلاقة الأميركية ـ الإيرانية، والدور الإسرائيلي في المنطقة، وشكل التموضع العربي الجديد، وموقع لبنان داخل هذا المشهد المتحوّل.

وبحسب معلومات "كواليس"، فإنّ واشنطن تتعامل مع الجولة الثالثة من المفاوضات باعتبارها “الجولة السياسية الأولى الفعلية”، لا مجرد استكمال لجلسات تقنية أو تحضيرية، خصوصاً أنّها تأتي في ظلّ تصعيد إسرائيلي واسع جنوباً وبقاعاً، وفي وقت تحاول فيه الإدارة الأميركية دفع لبنان إلى مسار تفاوضي منفصل تدريجياً عن المسار الإيراني، ولو شكلياً في المرحلة الحالية.

وتقول مصادر سياسية مطّلعة لـ "كواليس"، إنّ رئيس الجمهورية جوزيف عون أبلغ السفير الأميركي ميشال عيسى، خلال اللقاء الذي سبق انتقال الأخير إلى واشنطن، أنّ أي مسار تفاوضي لا يبدأ بوقف فعلي لإطلاق النار ووقف عمليات التدمير والنسف الإسرائيلية، سيكون فاقداً لأي جدوى سياسية أو عملية. وبحسب المصادر، شدّد عون على أنّ استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ينسف عملياً أي إمكانية لخلق مناخ يسمح بتثبيت الهدنة أو الانتقال إلى ملفات أخرى مرتبطة بالحدود أو الترتيبات الأمنية.

لكن في المقابل، تبدو إسرائيل وكأنّها تتعامل مع المفاوضات باعتبارها جزءاً من إدارة الحرب لا مدخلاً لإنهائها. فالتصعيد العسكري المستمر، وتوسيع رقعة الاستهدافات، والتلويح بعملية برية أوسع، كلها مؤشرات إلى أنّ تل أبيب تريد الذهاب إلى واشنطن من موقع الضغط الميداني لا التسوية السياسية.

تفاوض بالنار… وواشنطن تضغط لفصل لبنان عن إيران

وبحسب معلومات "كواليس"، فإنّ الإدارة الأميركية تحاول منذ أسابيع تثبيت معادلة سياسية جديدة عنوانها “فصل الجبهة اللبنانية عن المسار الإيراني”، عبر دفع الدولة اللبنانية إلى الدخول في ترتيبات مباشرة تتعلق بالجنوب والسلاح والحدود، بمعزل عن مصير التفاوض الأميركي ـ الإيراني الجاري عبر الوسيط الباكستاني.

إلّا أنّ هذا الفصل لا يبدو واقعياً بالكامل حتى الآن. فمصادر دبلوماسية متابعة تؤكد أنّ واشنطن نفسها تدرك أنّ إيران لا تزال تمسك بجزء أساسي من القرار الاستراتيجي المرتبط بالجبهة اللبنانية، وأنّ “حزب الله” لا يتعامل مع الجنوب باعتباره ملفاً لبنانياً داخلياً منفصلاً عن الاشتباك الإقليمي الأشمل.

وفي هذا السياق، تكشف مصادر "كواليس" أنّ جزءاً أساسياً من النقاش الأميركي مع الوفد اللبناني يرتبط عملياً بمستقبل سلاح “حزب الله”، لا فقط بوقف إطلاق النار. وتشير المصادر إلى أنّ واشنطن تربط بصورة غير مباشرة بين أي دعم سياسي أو مالي أو إعادة إعمار مستقبلية، وبين وجود مسار واضح لتعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوباً، ووضع جدول زمني لمعالجة ملف السلاح خارج الدولة، ولو بصورة تدريجية وغير معلنة في المرحلة الأولى.

طهران تفاوض… لكنها لا تريد خسارة الورقة اللبنانية

في المقابل، تتعامل إيران بحذر شديد مع المشهد الحالي. فبحسب أوساط مطّلعة، تدرك طهران أنّ الضغوط العسكرية والاقتصادية المفروضة عليها لم تعد تسمح بإدارة مواجهة مفتوحة وطويلة كما في السابق، لكنها في الوقت نفسه تعتبر أنّ خسارة الورقة اللبنانية تعني عملياً تراجع نفوذها الإقليمي إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول مصادر متابعة إنّ التقييمات الإيرانية التي وصلت إلى بيروت خلال الأيام الماضية تحدثت عن “تقدّم محدود” في بعض النقاط مع الأميركيين، لكن من دون الوصول إلى تفاهم نهائي، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالنفوذ الإقليمي والسلاح ودور الحلفاء. وبحسب المصادر نفسها، فإنّ طهران لا تزال تراهن على عامل الوقت، وعلى الضغوط الداخلية التي يواجهها الرئيس الاميركي دونالد ترامب مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية.

وفي موازاة ذلك، لا تخفي طهران انزعاجها من محاولات إخراج لبنان بالكامل من دائرة التفاوض الإقليمي، خصوصاً أنّها تعتبر أنّ ما جرى منذ وصول عون إلى قصر بعبدا أدى إلى تقليص نفوذها داخل مؤسسات الدولة اللبنانية إلى الحد الأدنى.

السعودية تتحرك بهدوء… ولبنان أحد ملفات التهدئة

إقليمياً، تكشف أوساط دبلوماسية عربية لموقع كواليس عن وجود مسار تهدئة سعودي ـ إيراني يجري تطويره بهدوء خلال المرحلة الحالية، بغطاء باكستاني وتركي، ويشمل بشكل أساسي ملفات الخليج ولبنان واليمن.

وبحسب هذه الأوساط، فإنّ الرياض باتت أكثر ميلاً إلى سياسات الاحتواء وخفض التصعيد، بعدما شعرت خلال الحرب الأخيرة بأنّ المظلّة الأميركية الأمنية لم تعد كافية بالكامل لحماية المنطقة من تداعيات أي مواجهة واسعة مع إيران.

وفي هذا الإطار، تؤكد المصادر وجود تواصل مباشر قائم بين وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي، مشيرة إلى أنّ الملف اللبناني كان حاضراً في هذه الاتصالات، وخصوصاً ما يتعلق بمنع انفجار الوضع الداخلي اللبناني أو انهيار الحكومة الحالية.

وتضيف المصادر أنّ جزءاً من التهدئة التي شهدتها العلاقة بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزراء “حزب الله” خلال الأسابيع الماضية، لم يكن منفصلاً عن هذا المناخ الإقليمي، كما أنّ قنوات التواصل غير المعلنة التي فُتحت بين الطرفين جاءت نتيجة تقاطع مصالح إقليمي واضح لمنع انزلاق لبنان إلى فوضى شاملة.

لكن رغم ذلك، لا يبدو أنّ هناك أي تفاهم سعودي ـ إيراني فعلي حول مستقبل سلاح “حزب الله”. فالسعودية لا تزال تتمسك بوضوح بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، فيما تسعى إيران إلى الحفاظ على حدّ أدنى من حضورها داخل المعادلة اللبنانية الجديدة.

الجنوب يتحول إلى ساحة استنزاف طويلة

ميدانياً، تبدو إسرائيل وكأنّها انتقلت من مرحلة الضغط العسكري المؤقت إلى محاولة تثبيت قواعد اشتباك طويلة الأمد في الجنوب اللبناني. فاستكمال تدمير القرى الواقعة ضمن “الخط الأصفر”، والإصرار على حرية الحركة العسكرية جنوب الليطاني، وإقامة نقاط ثابتة داخل الأراضي اللبنانية، كلها مؤشرات إلى أنّ تل أبيب تحاول فرض واقع أمني جديد يتجاوز مجرد الرد على عمليات “حزب الله”.

وفي المقابل، تشير المعطيات الميدانية إلى أنّ “حزب الله” يعمل على إعادة تموضع تدريجية، تعتمد بصورة أكبر على المسيّرات والتكتيكات اللامركزية، خصوصاً مع تعقّد خطوط الإمداد عبر سوريا. وتقول مصادر أمنية إنّ إسرائيل باتت تعتبر ملف المسيّرات الصغيرة التهديد الأكثر إرباكاً لها في الجبهة الشمالية، نظراً إلى سهولة تصنيعها وتجميعها داخل لبنان، وصعوبة التعامل معها ميدانياً.

وبحسب تقديرات دبلوماسية غربية، فإنّ المنطقة لا تتجه حالياً نحو تسوية شاملة، بل نحو مرحلة طويلة من “الستاتيكو العنيف”: لا حرب كبرى محسومة، ولا اتفاق نهائي، بل إدارة توتر دائم تحت سقف مضبوط نسبياً.

وفي قلب هذا المشهد، يبدو لبنان أمام أخطر مرحلة منذ سنوات: مفاوضات مباشرة تحت النار، ضغوط أميركية متزايدة حول سلاح “حزب الله”، تصعيد إسرائيلي مفتوح، ومحاولة إقليمية لمنع انهيار الساحة اللبنانية بالكامل. أما السؤال الذي يطرحه الجميع في بيروت، فهو ما إذا كانت واشنطن تريد فعلاً الوصول إلى تسوية مستقرة، أم أنّها تدير فقط مرحلة انتقالية طويلة بانتظار اتضاح صورة المنطقة الجديدة.