القائمة
09:00 10 مايو 2026

الإيرانيون يدفعون الثمن: اقتصاد يتجه نحو دوامة انهيار

دولية

إقفال شركات، بطالة متصاعدة، وغذاء يخرج من متناول معظم السكان

تتكبّد إيران كلفة اقتصادية باهظة نتيجة الحرب، مع فقدان أكثر من مليون شخص لوظائفهم، وارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية، إلى جانب انقطاع مطوّل في خدمات الإنترنت، ما وجّه ضربة قاسية للأعمال الرقمية.

ويبقى السؤال المطروح: إلى أي مدى يمكن للقيادة الإيرانية تحمّل هذا الضغط الاقتصادي، في وقت تسعى فيه للتفاوض على إنهاء الحرب بشروط مواتية؟

المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران وصلت إلى طريق مسدود. في المقابل، يراهن المسؤولون الأميركيون على أن إيران سترضخ قريباً تحت وطأة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، فيما تراهن طهران على أن واشنطن ستتراجع أولاً، وتُنهي الحصار على الموانئ الإيرانية لتهدئة الأسواق العالمية وخفض أسعار الوقود في الولايات المتحدة.

وفي محاولة لاحتواء التداعيات، رفعت الحكومة الإيرانية الأجور، وقدّمت دعماً للسلع الأساسية، ووزّعت مساعدات نقدية على الفئات الأكثر فقراً. إلا أن السكان يواجهون مستويات من الضائقة لم تُسجّل منذ عقود.

وقال أليكس فاتانكا، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط: “النظام سلطوي، ويمكنه أن يقدّم الصمود في وجه الضغوط الاقتصادية على أنه مسألة كرامة وطنية”. لكنه أضاف: “مع جفاف الموارد بسبب الحصار، قد نجد أن عدداً متزايداً من الناس لن يكون أمامه خيار سوى التحرك سياسياً”.

مضيق هرمز في قلب المواجهة

تتمحور الأزمة حول استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

فقد أقدمت إيران على إغلاق المضيق في بداية النزاع، ما جعل من هذا الممر الحيوي ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي. وردّت الولايات المتحدة بفرض حصار بحري مضاد، موجّهة ضربة قاسية لاقتصاد إيراني يعاني أصلاً من أزمات متراكمة.

معاناة يومية متفاقمة

تراجعت إيرادات الدولة في وقت تتزايد فيه حاجات السكان بشكل ملحوظ.

وبحسب تقديرات أولية نقلها غلام حسين محمدي، المسؤول في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، فقدت الحرب نحو مليون وظيفة بشكل مباشر، ومليون وظيفة أخرى بشكل غير مباشر، من أصل نحو 25 مليون شخص يعملون عادة في إيران.

في الوقت نفسه، ارتفعت كلفة المعيشة بشكل كبير، حيث بلغ معدل التضخم السنوي 67% حتى منتصف نيسان مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق البنك المركزي الإيراني. كما ارتفع سعر اللحوم الحمراء المدعومة، والتي كان يتم استيرادها بشكل أساسي عبر البحر، إلى نحو 3.60 دولارات للرطل، وهو سعر يفوق قدرة معظم المواطنين، في بلد يبلغ فيه الحد الأدنى للأجور نحو 130 دولاراً شهرياً.

وقال مهدي قدسي، من معهد فيينا للدراسات الاقتصادية الدولية: “لم يعد العيش ميسوراً”، مضيفاً أن “إيران في أضعف حالاتها”.

وأشار سكان إلى أن شركات في مختلف أنحاء البلاد، من المصانع إلى المتاجر، تُقفل أبوابها، في ظل نقص المواد الأولية مثل الفولاذ، ما يعيق الإنتاج في عدة قطاعات. كما أصبحت السلع الإلكترونية، التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، نادرة ومرتفعة الأسعار.

اقتصاد منهك قبل الحرب… وتداعيات تتفاقم بعدها

لم تبدأ الأزمة الاقتصادية مع الحرب، بل تعود إلى سنوات من العقوبات الأميركية والدولية التي أضعفت الاقتصاد الإيراني. وقد أدّى انهيار العملة المحلية وارتفاع الأسعار إلى اندلاع احتجاجات واسعة مطلع العام، قمعتها السلطات بالقوة.

ومع اندلاع الحرب، تفاقمت هذه الأوضاع، ما يرفع من احتمال عودة الاضطرابات مجدداً.

كما تسبّبت الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية بأضرار واسعة في البنية التحتية، من طرق ومرافئ ومبانٍ سكنية، إضافة إلى استهداف قطاعات حيوية مثل صناعة الصلب والبتروكيماويات. وتقدّر وسائل إعلام رسمية إيرانية كلفة إعادة الإعمار بنحو 270 مليار دولار، وهو رقم ضخم مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي الذي بلغ 341 مليار دولار العام الماضي.

النفط… شريان مقطوع

قبل الحصار، كانت معظم صادرات إيران النفطية ووارداتها تمر عبر مضيق هرمز. أما اليوم، فتواجه طهران صعوبات كبيرة في تصدير النفط، الذي يشكّل المصدر الأساسي لإيراداتها.

ووفق بيانات شركة “كبلر”، كانت إيران تصدّر نحو 1.85 مليون برميل يومياً في آذار، بقيمة 191 مليون دولار. لكن لا توجد مؤشرات على أن أي شحنات نفط إيرانية تمكنت من تجاوز الحصار الأميركي والوصول إلى الأسواق، بما فيها الصين.

وفي هذا السياق، تسعى إيران إلى إعادة فتح المضيق سريعاً، ما يعكس أهميته الحيوية لاقتصادها. وكانت قد عرضت على وسطاء إقليميين وقف هجماتها في المضيق مقابل إنهاء الحرب ورفع الحصار عن موانئها، مع تأجيل البحث في ملفها النووي.

ما بعد الحرب… تحدٍ جديد

يرى جافاد صالحي أصفهاني، أستاذ الاقتصاد في جامعة “فيرجينيا تك”، أن “الحكومة تعتبر نهاية الحرب بداية لمشكلة جديدة: التعامل مع مجتمع محبط وفقير”.

وأضاف: “إذا استؤنفت صادرات النفط، قد يتوفر هامش تحرّك يسمح برسم مسار تعافٍ، ويمكن للناس أن يقولوا إن هذه مرحلة صعبة لكنها مؤقتة”.

محاولات لاحتواء الأزمة

اتخذت الحكومة الإيرانية إجراءات للحد من التداعيات، شملت رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة رواتب موظفي القطاع العام، مع استمرار دعم السلع الأساسية مثل الخبز والوقود. كما وزّعت مساعدات نقدية، وأصدرت قسائم لشراء مواد غذائية مثل الأرز والدجاج والزيوت.

كذلك لجأت إلى استخدام الاحتياطات الاستراتيجية لتخفيف الضغط على المواطنين، ودعت السكان إلى ترشيد استهلاك المياه والكهرباء والغاز، وتشجيع استخدام النقل العام.

وعلى المستوى الصناعي، فرضت قيوداً على تصدير بعض المنتجات مثل الفولاذ، فيما دعت شركات إلى تقنين استخدام المواد الأولية.

الالتفاف على الحصار

تحاول طهران تجاوز الحصار عبر مسارات تجارية بديلة، تشمل خطوط السكك الحديدية مع تركيا وأرمينيا وأذربيجان، إضافة إلى بحر قزوين.

وبحسب بيانات “كبلر”، وصلت إلى الموانئ الإيرانية على بحر قزوين 11 سفينة محمّلة بالحبوب والذرة وزيت دوار الشمس منذ بدء الحصار، قادمة من روسيا وكازاخستان وتركمانستان.

كما أعلنت باكستان عن تخصيص ستة ممرات، برية وبحرية، لعبور السلع الإيرانية دون قيود، إلى جانب استخدامها لاستيراد مواد غذائية.

قدرة على التحمل… ولكن إلى متى؟

قال محمد أميرسي، الخبير في الشأن الإيراني وعضو المجلس الاستشاري العالمي في مركز ويلسون: “الإيرانيون سيتحملون صعوبات، لكن مستوى تحمّلهم للألم أعلى”.

 

(الترجمة عن وول ستريت جورنال)