لم تعد الحروب الحديثة تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات والدبابات، بل أصبحت تُدار أيضًا عبر الخوارزميات والبيانات والذكاء الاصطناعي. ففي عالم تتحول فيه الهواتف المحمولة إلى أدوات تعقب، وتُستخدم فيه الصور والإشارات الرقمية لبناء خرائط كاملة لحياة الأفراد وتحركاتهم، باتت التكنولوجيا لاعبًا أساسيًا في تحديد من يُراقَب ومن يُستهدَف. وفي هذا السياق، يكشف تحقيق نشرته صحيفة "لوس انجلس تايمز" جانبًا من الحرب الخفية الدائرة بين إسرائيل وحزب الله، حيث أصبحت البيانات الشخصية جزءًا من “بنك أهداف” تديره أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل ملايين المعلومات خلال ثوانٍ واتخاذ قرارات قد تنتهي باغتيال أشخاص في لحظات.
شرح التحقيق عن المواطن اللبناني أحمد ترمس الذي تلقى اتصالًا من جهة إسرائيلية تسأله إن كان يريد “أن يموت وحده أم مع من حوله”، لم يكن يدرك أن هاتفه المحمول، وتحركاته اليومية، وحتى علاقاته الاجتماعية، أصبحت منذ سنوات جزءًا من منظومة مراقبة رقمية هائلة تقودها أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة. وبعد أقل من ثلاثين ثانية على مغادرته منزله في جنوب لبنان، استهدفته صواريخ إسرائيلية بشكل مباشر، في مشهد يلخّص طبيعة الحرب الجديدة التي لم تعد تعتمد فقط على الطائرات والصواريخ، بل على البيانات والخوارزميات أيضًا.
وبحسب التحقيق، تجمع هذه المنظومة كميات ضخمة من البيانات القادمة من الهواتف الذكية، وكاميرات المراقبة، والطائرات المسيّرة، وإشارات الـWi-Fi، ومنصات التواصل الاجتماعي، وحتى قواعد البيانات الحكومية. ثم تُحلل هذه المعلومات بشكل لحظي لبناء ما يشبه “خريطة حياة” لكل شخص، تتضمن تحركاته اليومية، وعلاقاته، وأماكن وجوده، وأنماط سلوكه.
ويشير التحقيق إلى أن إسرائيل طورت ما يمكن وصفه بـ”سلسلة قتل رقمية”، حيث تتحول البيانات المجمعة إلى أهداف جاهزة للاستهداف خلال ثوانٍ، خصوصًا بعد الحرب التي شهدها جنوب لبنان عام 2024، والهجمات التي طالت أجهزة الـPager التابعة لعناصر الحزب.
فهرس المحتوى [إظهار]
أحمد ترمس... منسّق مدني أم هدف أمني؟
كان أحمد ترمس، البالغ من العمر 62 عامًا، يعمل بحسب التقرير كحلقة وصل بين الحزب وسكان بلدة طلوسة الحدودية. وبعد وقف إطلاق النار، انشغل بالمساعدة في إعادة تشغيل البلدة والتنسيق مع فرق الإصلاح والدفاع المدني، فيما اعتبرت إسرائيل أنه يشارك في “إعادة تأهيل البنية التحتية الإرهابية” التابعة للحزب.
لكن وصول ترمس إلى “قائمة القتل” لم يكن نتيجة معلومة واحدة أو عملية رصد تقليدية، بل نتيجة تراكم طويل للبيانات. فالطائرات المسيّرة، وفق التحقيق، كانت تراقب البلدة باستمرار، وتصوّر الوجوه والسيارات ولوحاتها وأنماط الحركة اليومية للسكان.
الهواتف الذكية... أجهزة تعقب دائمة
ويكشف التحقيق استخدام إسرائيل أجهزة تُعرف باسم Stingrays، وهي أنظمة تحاكي أبراج الاتصالات وتجبر الهواتف المحمولة على الاتصال بها، ما يسمح بجمع بيانات دقيقة تتعلق بالموقع الجغرافي والتحركات والاتصالات.
وبحسب خبراء تحدثوا للصحيفة، فإن تغيير شرائح الاتصال أو تبديل الهواتف لم يعد كافيًا لتجنب التعقب، لأن الأنظمة الحديثة تعتمد على تحليل “البيانات الوصفية” الكاملة، ومنها:سجلات الاتصالات\ المواقع الجغرافية\تبديل شرائح الاتصال\استخدام التطبيقات\النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي\التعرف على الوجوه\العلاقات الاجتماعية وأنماط التواصل\وحتى البيانات البنكية أحيانًا. وتُجمع هذه المعلومات عبر شبكات الهاتف، والمنصات التجارية، ووكالات استخبارات حليفة، إضافة إلى عملاء ميدانيين على الأرض.
الذكاء الاصطناعي داخل المعركة
بعد جمع البيانات، تدخل منصات تحليل متقدمة مثل نظام Maven التابع لشركة Palantir Technologies، حيث تُربط المعلومات بالأشخاص والأجهزة والحسابات المختلفة لبناء خريطة زمنية دقيقة لتحركات كل فرد.
ويشير التحقيق إلى أن هذه الأنظمة قادرة على تحليل “تيرابايت” كاملة من البيانات خلال ثوانٍ، واكتشاف الأنماط السلوكية وربطها بأشخاص مصنفين مسبقًا كتهديدات أمنية، أو رصد أي تغيير غير معتاد في السلوك اليومي.
ووفقًا للعقيد الإسرائيلي “يوآف”، رئيس مركز الذكاء الاصطناعي في الجيش الإسرائيلي، فإن عمليات التحليل التي كانت تحتاج سابقًا إلى مئات المحللين وأسابيع من العمل، أصبحت تُنجز خلال ثوانٍ فقط.
اختراق أمني طويل الأمد
التحقيق يتحدث أيضًا عن اختراق استخباراتي إسرائيلي عميق للبنان استمر لعقود، شمل الوصول إلى قواعد بيانات الهواتف والمركبات، واختراق شبكات الاتصالات التابعة لـ حزب الله، إضافة إلى الثغرات الأمنية التي نتجت عن مشاركة الحزب في الحرب السورية بين عامي 2011 و2024.
وبحسب التقرير، فإن هذا التراكم الهائل للمعلومات منح إسرائيل قدرة شبه كاملة على مراقبة تحركات عناصر الحزب وقياداته وحتى البيئة المحيطة بهم.
عندما يتحول "الترابط" إلى حكم اعدام
ورغم التطور التقني، ينقل التحقيق تحذيرات واسعة من مخاطر الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في الحروب. فالأنظمة لا تفهم السياق الكامل، بل تعتمد على “الترابط الإحصائي”، ما يعني أن شخصًا ما قد يتحول إلى هدف فقط لأنه يتواصل مع أفراد معينين أو يعيش في منطقة مرتبطة بالحزب.
وينقل التقرير عن باحثين أن أقارب المقاتلين، أو العاملين في الإعلام أو التمويل أو الدعم اللوجستي، قد يُصنفون كمقاتلين بسبب تشابه أنماط التواصل، رغم عدم مشاركتهم المباشرة في القتال.
كما يحذر خبراء من أن هذه الأنظمة تخلق “وهمًا بالدقة المطلقة”، رغم احتمال اعتمادها على بيانات ناقصة أو خاطئة، ما قد يؤدي إلى تكرار الأخطاء بسرعة أكبر وبثقة أعلى.
"إنهم يعرفون وجهي"
وفي ختام التحقيق، تعود الصحيفة إلى اللحظات الأخيرة في حياة أحمد ترمس. فبعد أن أعاد تشغيل هاتفه المحمول فور عودته إلى منزله، تلقى الاتصال الإسرائيلي مباشرة. وعندما حاول أفراد عائلته إقناعه بالهرب أو التنكر، رفض قائلاً: “إنهم يعرفون وجهي، لا يمكننا فعل شيء”.
بعدها، غادر بسيارته. وبعد أقل من ثلاثين ثانية، اخترقتها الصواريخ الإسرائيلية، في مشهد يعكس كيف أصبحت الخوارزميات اليوم جزءًا من قرار الحياة والموت في الحروب الحديثة.