تستمر حملة حزب الله التصعيدية ضد رئيس الجمهورية جوزيف عون على خلفية مسار التفاوض، وآخر فصولها كان كلام عضو المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي، الذي اتهم عون بـ "تجاوز" رئيس مجلس النواب نبيه بري، في محاولة للإيقاع بين الرئيسين.
وهاجم قماطي التفاوض، معتبراً أن أي توجه نحو تفاوض مباشر يشكل "خروجاً عن الإجماع الوطني والدستور".
لكن يبدو أن قماطي نسي أن "حزب الله" نفسه هو اول من أطاح بـ "الأخ الأكبر" في حرب الاسناد الأخيرة خصوصا، الى حد دفع بري الى دعم قرارات تجريم الجناح العسكري والأمني لحزب الله اللذين صوت لصالحهما وزيري بري عند اقرارهما في الحكومة.
كما أن الحزب نفسه سبق أن أكد مراراً أنه "لا أحد يفاوض عنه"، رغم أن بري كان يتولى عملياً إدارة قنوات التفاوض السياسية، ما طرح علامات استفهام حول الدور الحقيقي الذي مُنح له. كذلك، وفق تقارير اعلامية سابقة كان بري قد نقل إلى الرؤساء ضمانات من حزب الله بأن الحزب لن يشارك أو ينضم إلى الحرب دعماً لإيران ما لم يتم استهدافه مباشرة، قبل أن تتبدل الوقائع السياسية والميدانية لاحقاً واطلق حزب الله6 صواريخ في 2 اذار .
وتجاوز الحزب لم يقتصر على رئيس الجمهورية والحكومة وبري فقط، بل شمل كل اللبنانيين، حين فرض عليهم الحرب انتقاما للخامنئي. فخلال محطات مفصلية، بدا واضحاً أن قرارات التصعيد الكبرى لم تكن تمر عبر الدولة ولا حتى عبر كامل الحلفاء، بل كانت تُفرض كأمر واقع على الجميع.
كما أن الحزب لم يتردد أيضاً في مهاجمة قرارات اتخذتها الحكومة وهو مشارك فيها، رغم أن حلفاءه "وزيري أمل" كانوا قد صوّتوا عليها، ما يعكس تناقضاً واضحاً بين المشاركة في القرار والانقلاب عليه سياسياً وإعلامياً لاحقاً.
من هنا، يبدو ان الحديث عن "تجاوز بري" يبدو انتقائياً، لأن المشكلة بالنسبة للحزب ليست في مبدأ تجاوز المؤسسات بحد ذاته، بل في الجهة التي تتخذ القرار. فعندما يكون القرار بيد الحزب، يصبح أمراً واقعاً يُفرض تحت عنوان “المقاومة”، أما عندما يصدر عن مؤسسات الدولة أو رئيس الجمهورية، يتحول فجأة إلى تعدٍّ على الشراكة الوطنية والدستور.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن لحزب يتحدث عن احترام الرئاسات والإجماع الوطني أن يكون أول من تجاوز هذه الرئاسات نفسها عندما اتخذ قرار الحرب من دون العودة إلى الدولة أو حتى إلى أقرب حلفائه؟