بدأت ملامح العزلة السياسية تشتد حول "حزب الله"، الذي يبدو أنه يخسر يوماً بعد يوم ما تبقى من تضامن أو تفهم لبناني تجاه خياراته الميدانية. هذه العزلة لم تعد مجرد شعار يرفعه الخصوم، بل تحولت إلى واقع ملموس بعد غارة "تلال عين سعادة"، حيث تصدر التيار الوطني الحر الحليف التاريخي للحزب منذ عام 2006 المشهد بموقف عالي النبرة، محملاً قيادات الحزب "المسؤولية الأخلاقية" عن تعريض حياة المدنيين والمستضيفين للخطر. التيار، وفي بيان رسمي، دعا كوادر الحزب بوضوح إلى "عدم الاختلاط والإقامة والاختباء بين المهجرين"، مطالباً بحصر وجودهم في جبهات المواجهة الفعلية، وهو ما عكس تصدعاً عميقاً في تحالف "مار مخايل" وتغييراً جذرياً في قواعد العلاقة بين الطرفين.
هذا الموقف الصارم من "التيار" التقى في منتصف الطريق مع صرخة نواب المنطقة من القوى المسيحية الأخرى، ليُشكل تقاطعاً نادراً يعكس حجم الاحتقان الشعبي. وفي هذا السياق، أكد نائب المتن عن حزب الكتائب اللبنانية، إلياس حنكش، عبر قناة "الجديد"، رفضه القاطع للاستهتار بأرواح المواطنين، معتبراً أن تحويل القرى الآمنة التي استقبلت النازحين إلى أهداف عسكرية بسبب تواجد حزبيين بداخلها هو تهديد مباشر للنسيج الوطني وللسلم الأهلي الذي يحاول اللبنانيون التمسك به وسط ألسنة اللهب.
وفي ذات الإطار التحذيري، جاء تصريح نائب المتن عن حزب القوات اللبنانية، رازي الحاج، عبر قناة "الجديد" أيضاً، ليؤكد أن أمن الناس "خط أحمر" لا يمكن تجاوزه تحت أي ذريعة. الحاج شدد على أن اتساع رقعة الاستهدافات لتطال مناطق سكنية في الداخل اللبناني يفرض واقعاً جديداً يتطلب من الحزب مراجعة حساباته، مشيراً إلى أن التفاف اللبنانيين حول بعضهم في أزمة النزوح لا يعني قبولهم بتحويل بيوتهم إلى ساحات بديلة للصراع.
إن اجتماع هذه القوى المسيحية الثلاث من الخصم اللدود وصولاً إلى الحليف السابق على لغة تحذيرية واحدة، يرسم مشهداً سياسياً معقداً يضع "حزب الله" في مواجهة مباشرة مع بيئة وطنية كانت حتى الأمس القريب تؤمن له غطاءً سياسياً عريضاً. وأمام هذا الإجماع المسيحي في منطقة المتن وغيرها، يبدو أن الحزب بات يواجه "عزلة مسيحية" غير مسبوقة، حيث لم يعد الصدام مع القوات والكتائب فحسب، بل بات مع حليفه الذي بات يرى في ممارسات الحزب الحالية خطراً يهدد بقاء الكيان اللبناني وسلامة أهله.