في أعقاب خسارتها حليفها في سوريا بسقوط نظام بشار الأسد، تراقب روسيا بصمت مسار حليفها الأبرز، النظام الإيراني، في ظل تصاعد الضغوط والتحديات التي يواجهها، من دون أن تبادر إلى أي تحرك فعّال أو تلعب دوراً دبلوماسياً بارزاً.
ويأتي هذا الموقف في سياق حسابات استراتيجية أوسع، إذ لا تبدو روسيا مستعدة للدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة على الساحة الإيرانية، في وقت تضع فيه أولوية واضحة لتحقيق تسوية في أوكرانيا، معتبرة أن كلفة التصعيد في ملف إيران قد تعرقل أهدافها في ملفات أكثر إلحاحاً.
يطرح الحضور الروسي الخافت في الشرق الأوسط اليوم إشكالية تتجاوز حدود الأداء الدبلوماسي التقليدي، لتلامس جوهر التحول في موقع موسكو داخل النظام الدولي. فالمتابع لتصريحات سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي أو مواقف الكرملين، يلحظ تحوّلاً لافتاً من خطاب المبادرة إلى لغة الحد الأدنى، حيث باتت المواقف تُصاغ بعناية مفرطة، وتُختزل إلى بيانات مقتضبة.
يزداد هذا الانطباع وضوحاً عند التدقيق في التصريحات الرسمية الصادرة عن الكرملين، والتي باتت تتسم بقدر لافت من العمومية والحذر. ففي أكثر من مناسبة، اكتفى المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف بالتأكيد على "متابعة التطورات بقلق" والدعوة إلى "ضبط النفس"، دون تقديم أي مبادرة سياسية ملموسة أو طرح تصور واضح لمسار الأزمات في المنطقة. هذا النمط من الخطاب لا يعكس فقط رغبة في تجنّب التصعيد، بل يشير أيضاً إلى تراجع القدرة على التأثير المباشر في مجريات الأحداث.
هذا التراجع لا يمكن قراءته فقط كخيار تكتيكي، بل يعكس تحوّلاً بنيوياً في قدرة روسيا على ممارسة دورها كقوة موازِنة في الإقليم. فبعد مرحلة من التمدد العسكري والسياسي، خصوصاً منذ تدخلها في دعم محور الممانعة، تبدو موسكو اليوم أقل استعداداً أو أقل قدرة في حماية توازنات المنطقة أو الدفاع عن حلفائها بنفس الزخم السابق. فبدلاً من لعب دور الوسيط أو الضامن، باتت تكتفي بموقع "المراقب".
في هذا السياق، يتبدّى الانكفاء الروسي كنتاج مباشر لاستنزاف متعدد الأبعاد فرضته الحرب الروسية الأوكرانية، التي تحولت إلى مركز ثقل استراتيجي يبتلع الموارد العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية. لم تعد أوكرانيا مجرد جبهة قتال، بل أصبحت محدداً أساسياً لأولويات السياسة الخارجية الروسية، ما أدى إلى إعادة ترتيب قسرية لهرم الاهتمامات على حساب ملفات الشرق الأوسط.
غير أن اختزال هذا السلوك بعامل "العجز" وحده قد يكون تبسيطاً مخلّاً. فالصمت الروسي قد يحمل في طياته ملامح "دبلوماسية منخفضة الكلفة"، حيث تسعى موسكو إلى تفادي الانخراط المباشر في صراعات معقّدة، مقابل الحفاظ على قنوات تفاوض مفتوحة مع الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة. من هذا المنظور، قد يكون الغياب الظاهري جزءاً من مقايضة غير معلنة، تهدف إلى تخفيف الضغوط في الساحة الأوكرانية مقابل تقليص الدور في ساحات أخرى.
في المحصلة، لم يعد الصمت الروسي مجرد خيار سياسي، بل أصبح تعبيراً عن لحظة تحوّل عميقة: من قوة تسعى لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، إلى لاعب يكتفي بإدارة تراجعه ضمن نظام دولي يُعاد تشكيله من دون حضوره الفاعل. إن اللغة الدبلوماسية المقتضبة التي يعتمدها الكرملين اليوم ليست مجرد أسلوب، بل مؤشر دقيق على القوة الروسية في هذه المرحلة.