غيّب الموت اليوم الدبلوماسية والمثقفة الفلسطينية ليلى شهيد عن عمر ناهز 76 عاماً في منزلها في جنوب فرنسا، بعد مسيرة طويلة شكّلت خلالها أحد أبرز الوجوه الفلسطينية في أوروبا.
على مدى أكثر من عقدين، كانت شهيد الحضور الرسمي لفلسطين في باريس، إذ تولّت تمثيل بلدها في فرنسا منذ عام 1993، قبل أن تنتقل عام 2006 إلى بروكسل كمندوبة عامة لدى الاتحاد الأوروبي وبلجيكا ولوكسمبورغ، حيث واصلت عملها حتى عام 2014.
من هي ليلى شهيد؟
وُلدت ليلى شهيد في بيروت عام 1949، لوالدة مقدسية من عائلة الحسيني ووالد هو جرّاح القلب منيب شهيد. منذ طفولتها عاشت معنى المنفى، وحملت فلسطين في ذاكرتها ووجدانها. درست علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في الجامعة الأميركية في بيروت، وانخرطت باكراً في العمل الاجتماعي داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
انتقلت لاحقاً إلى باريس لمتابعة دراستها العليا، وهناك برز نشاطها الطلابي، فتولت عام 1976 رئاسة اتحاد الطلبة الفلسطينيين في فرنسا. وفي أواخر الثمانينيات دخلت السلك الدبلوماسي، لتصبح عام 1989 أول امرأة فلسطينية تُعيَّن ممثلةً لمنظمة التحرير الفلسطينية في إيرلندا، ثم في هولندا.
لم تكن شهيد مجرد دبلوماسية تقليدية، بل مزجت بين السياسة والثقافة، معتبرةً أن الثقافة هي المدخل الحقيقي لفهم القضية الفلسطينية. هذا النهج أثار جدلاً في بعض الأوساط المؤيدة لإسرائيل، لا سيما بعد محاضرات ألقتها في مدارس فرنسية، وُصفت حينها بأنها ترويج للرواية الفلسطينية.
إلى جانب عملها الرسمي، ارتبط اسمها بالحياة الثقافية العربية والأوروبية. رافقت الكاتب الفرنسي جان جينيه إلى مخيم شاتيلا عام 1982 بعد المجزرة، وهي زيارة ألهمته لاحقاً في كتاباته. كما جمعتها علاقات وثيقة مع مفكرين وأدباء بارزين، من بينهم إدوارد سعيد وإلياس خوري ومحمود درويش.
وتُروى عنها محطة إنسانية لافتة عام 1998، حين أدركت خطورة الوضع الصحي للشاعر محمود درويش وأصرت على إخضاعه لفحوص طبية عاجلة، ما أسهم في إنقاذ حياته آنذاك. وقد وصفها الروائي الراحل إلياس خوري بـ"الحارس الملاك"، في إشارة إلى دورها في حماية ذاكرة مثقفين كبار والدفاع عن السردية الفلسطينية.
إقرأ أيضاً: سبب وفاة الكاتب مطاوع بركات.. أبرز قيادات قناة العربية
ظلت فلسطين حاضرة في كتاباتها وذاكرتها، خاصة من خلال حكايات والدتها عن القدس، والتي دوّنتها في كتابها "ذكريات من القدس"، حيث امتزج الخاص بالعام، والسيرة الشخصية بسيرة وطن لم تتمكن من العودة إليه.
برحيل ليلى شهيد، تفقد الدبلوماسية الفلسطينية إحدى أبرز وجوهها النسائية، وصوتاً ظلّ يحمل القضية إلى المنابر الدولية، جامعاً بين السياسة والثقافة والذاكرة.