ما تزال قضية جوازات السفر اللبنانية المزورة تتفاعل إعلامياً من دون ظهور أي نتائج لتحقيقات رسمية في موضوع بهذه الخطورة ويؤثر على الثقة بالدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية.
معلومات "كواليس"، التي حصلت عليها من مصادر شديدة الاطلاع، تؤكد أنّ القضية أبعد من مجرد تسريبات إعلامية عابرة، وبأن فضيحة التزوير قديمة، على الرغم من أنها بدأت تتكشف مع جوازات السفر التي جرى تزويرها لكبار تجار المخدرات، ومن ثم شكلت فضيحة، مع اكتشاف تزوير جوازات سفر لبنانية لصالح قادة في الحرس الثوري الايراني بعد استهداف إسرائيلي لعدد من هؤلاء كانوا يقيمون في أحد فنادق بيروت خلال آذار الماضي.
وعلمت "كواليس" أّن التحقيقات غير المعلنة داخل بعض الدوائر الرسمية تتعامل مع الملف باعتباره ذات طابع منظّم، ولا يقتصر على تجاوزات فردية، بل يرتبط بشبكة تعمل ضمن آليات محددة لتأمين جوازات سفر لبنانية لغير المستحقين.
وأكدت المصادر أنّ هذا الملف ليس وليد اللحظة أو مرتبطاً بتطورات الحرب الأخيرة، بل يعود إلى أشهر سابقة. وكشفت مصادر ل "كواليس" تلقي الجهات الرسمية اللبنانية معطيات دقيقة من الولايات المتحدة، تضمنت تحذيرات واضحة من وجود عمليات ممنهجة لمنح جوازات سفر لبنانية لشخصيات غير لبنانية، بعضها يحمل صفات أمنية أو يرتبط بهيئات رسمية في بلدانهم.
وتشير هذه المعطيات إلى أنّ الجهات اللبنانية أُبلغت حينها بأسماء محددة ونماذج جوازات صادرة، ما دفع إلى فتح قنوات متابعة داخلية محدودة، لم تصل إلى مستوى المعالجة الجدية أو العلنية.
وبحسب المصادر، فإنّ الجوازات الممنوحة شملت شخصيات إيرانية، من بينها أفراد يُعتقد أنهم على صلة بالحرس الثوري، إضافة إلى شخصيات سورية مقربة من نظام الأسد، وأخرى ويمنية، فضلاً عن رجال أعمال عراقيين، ما يعكس اتساع دائرة المستفيدين من هذه الشبكة، ويطرح تساؤلات حول الخلفيات التي تحكم هذه العمليات، سواء كانت أمنية أو مالية أو سياسية. كما تشير المعلومات إلى أنّ بعض هذه الجوازات صُدر بطرق تبدو قانونية شكلياً، عبر استخدام صلاحيات التوقيع "عن المدير" أو عبر استغلال ثغرات إدارية في آليات التدقيق.
وفي هذا السياق، تتحدث المصادر عن أنّ المسؤولية لا تتوقف عند حدود موظفين إداريين، بل تتصل بمستويات أعلى، حيث جرى تأمين غطاء إداري وإجرائي لتمرير هذه المعاملات، ما يعزز فرضية وجود تواطؤ أو على الأقل تساهل مقصود في التعامل مع الطلبات المشبوهة.
وأشارت إلى تورط ضابط يتسلم مهام حساسة، تم تعيينه خلال فترة تولى اللواء عباس إبراهيم قيادة الامن العام، في إدارة وتسهيل ما جرى، ما يعكس حجم التعقيد داخل المؤسسة، وتفتح الباب أمام صراع داخلي أو محاولات لتبادل المسؤوليات.
وعلى الرغم من نفي اللواء إبراهيم بشكل قاطع أي صلة له بملف جوازات السفر اللبنانية المزوّرة، إلا أنّ وجوده على رأس الجهاز خلال الفترة التي حصل فيها التزوير يجعله حكما مسؤولا عنها.
وتكشف مصادر امنية لـ "كواليس"، عن قطبة مخفية تمنع في حالات كثيرة تتبع عملية إصدار جواز السفر المزور لتحديد المسؤوليات، وهي انه خلال انجاز بعضها جرى توقيف "مركزية الداتا" أي بمعنى آخر تم فصل مختلف الوحدات المرتبطة بإنجاز وإصدار الجواز عن بعضها على النظام الرقمي الدي يعتمده الامن العام، ما جعل الوصول الى الأشخاص المسؤولين من خلال التتبع الرقمي امرا بالغ الصعوبة ان لم يكن مستحيلا.
ويكتسب هذا الملف حساسية مضاعفة في ظل التوقيت الحالي، إذ يأتي في سياق ضغوط دولية متزايدة على لبنان لضبط حدوده ووثائقه الرسمية، ومنع استخدامها في أنشطة قد تُصنّف ضمن الإطار الأمني أو العقوبات. كما أن الكشف عن منح جوازات سفر لبنانية لشخصيات من دول متعددة يهدد بتقويض صدقية الوثيقة اللبنانية دولياً، ويضع الدولة أمام مساءلة خارجية محتملة.
وفي هذا الإطار، علمت "كواليس" أن رئيس الحكومة القاضي نواف سلام طلب من وزير الداخلية العميد أحمد الحجار متابعة هذا الملف حتى خواتيمه، والتعامل معه بجدية كاملة، بما يشمل تحديد المسؤوليات بدقة واتخاذ الإجراءات اللازمة، في محاولة لاحتواء تداعياته الداخلية والخارجية، ومنع تحوّله إلى أزمة إضافية تضرب ثقة الدول بالوثائق الرسمية اللبنانية.