في ظاهر المشهد، يقف جنوب لبنان على عتبة هدنةٍ مؤقتة، محدّدة زمنًا ومغلّفة بلغة دبلوماسية توحي بانفراجٍ نسبي. لكن في العمق، تتكشّف صورة مختلفة تمامًا: ليس هناك وقفٌ فعليّ للحرب، بل إعادة تعريفٍ لها، وانتقالٌ محسوب من منطق المواجهة الشاملة إلى منطق السيطرة الممنهجة. بين التصعيد المتبادل بين دونالد ترامب وطهران، وبين الاندفاعة الإسرائيلية على الأرض، يتحوّل الجنوب إلى مساحة اختبارٍ مركزيّة لمسارٍ إقليميّ أوسع، تُرسم ملامحه بالنار أكثر مما تُصاغ في غرف التفاوض.
ما يجري منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ لا ينسجم مع تعريفات "التهدئة" التقليدية. إسرائيل لا تتصرف كطرفٍ التزم بوقف العمليات، بل كقوةٍ أعادت ترتيب أولوياتها، فخفّضت مستوى الاشتباك المفتوح، ورفعت في المقابل منسوب السيطرة المباشرة وغير المباشرة على الأرض.
التصريحات التي أطلقها يسرائيل كاتس، حول توسيع "الخط الأصفر" وفق مدى التهديدات، تعبّر عن هذا التحوّل بوضوح. فالمعيار لم يعد حدودًا معترفًا بها أو خطوط فصل دولية، بل قدرة إسرائيل على تحييد أي خطر محتمل. وبهذا المعنى، تُعاد صياغة الجغرافيا الجنوبية وفق منطق أمني صرف، تتحوّل فيه القرى والبلدات إلى نقاط تقييم عسكري، لا إلى مساحات سكنية طبيعية.
الهدنة هنا لا تعني تجميد الواقع، بل إعادة إنتاجه بشروط جديدة.
فهرس المحتوى [إظهار]
جنوب متعدد الطبقات: هندسة الاحتلال
الخرائط التي نشرها الجيش الإسرائيلي، ضمن رؤية سياسية يقودها بنيامين نتنياهو وتنفيذ ميداني يشرف عليه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، تكشف أن ما يجري يتجاوز مجرد انتشار عسكري.
نحن أمام عملية هندسة جغرافية متكاملة، تُقسَّم فيها المنطقة إلى مستويات مختلفة من السيطرة:
1- في الخط الأول، قرى مدمّرة أو شبه مفرغة، أُعيد تشكيلها بالقوة لتصبح مناطق عازلة فعلية.
2- وفي الخط الثاني، نطاق واسع يخضع لسيطرة نارية، حيث لا وجود دائم لقوات الاحتلال الاسرائيلي، لكن كل حركة فيه محكومة بالاستهداف.
3- أما الخط الثالث، الممتد حتى الليطاني، فيخضع لرقابة عسكرية واستخبارية مستمرة، تُبقيه ضمن دائرة الضغط الدائم.
هذا التدرج في السيطرة يخلق جنوبًا "مجزّأ السيادة"، تتفاوت فيه شروط الحياة والأمن من منطقة إلى أخرى، وفق ما تراه إسرائيل مناسبًا.
المسار الميداني لا يكتفي بإعادة الانتشار، بل يتجه نحو إعادة تشكيل البيئة نفسها. عمليات تفجير المنازل، تجريف الطرق، وإزالة البنى التحتية في بنت جبيل والخيام ومركبا والطيبة، ليست مجرد ردود فعل على تهديدات آنية، بل جزء من سياسة متكاملة تهدف إلى تفريغ الأرض من أي إمكانية لعودة الحياة الطبيعية.
الجنوب: توسّع ميداني وورقة تفاوض
اللافت أن كل هذا يحدث في ظل هدنةٍ يفترض أنها تقيد العمل العسكري. لكن الواقع يشير إلى العكس تمامًا. فإسرائيل تستفيد من هذه الهدنة لتوسيع هامش حركتها، مستندةً إلى دعمٍ أو غضّ نظرٍ دولي، يسمح لها بمواصلة العمليات تحت عنوان “الدفاع عن النفس”.
الطلعات الجوية المستمرة، القصف المدفعي المتقطع، والغارات المحدودة، ليست مؤشرات خرقٍ عابر، بل أدوات لإبقاء الجبهة في حالة ضغط دائم، تمنع عودة السكان، وتُبقي الجنوب في حالة شلل مستمر.
هكذا تتحول الهدنة إلى مظلة، لا لوقف الحرب، بل لإدارتها بطريقة أكثر مرونة وأقل كلفة.
هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، وخصوصًا المفاوضات الأميركية– الإيرانية. فإسرائيل تنظر إلى الجنوب كجزء من معادلة ضغط أوسع، تستخدمها لتحسين شروطها في أي تسوية محتملة مع طهران.
المعطيات الإسرائيلية تشير بوضوح إلى أن القرار النهائي في هذا المسار يرتبط بما سيقرره الرئيس الاميركي دونالد ترامب، الذي يسعى إلى اتفاق "قوي ورادع"، ويستخدم في سبيل ذلك مزيجًا من التصعيد والتهدئة.
وفي هذا الإطار، يصبح الجنوب اللبناني ساحة اختبار، تُستخدم لتوجيه الرسائل، وضبط الإيقاع، وربط المسارات بين لبنان وإيران وسوريا.
مرحلة جديدة: احتلال بلا إعلان وحدود بلا خرائط
في هذا الاطار، يجد لبنان نفسه في موقع دفاعي واضح. التحرك الدبلوماسي، الذي يقوده رئيس الحكومة نواف سلام عبر زيارات إلى أوروبا ولقاءات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يعكس محاولة لاحتواء التصعيد، لكنه يجري في ظل اختلال عميق في ميزان القوى.
فإسرائيل تفاوض من موقع القوة، بينما يُطلب من لبنان تقديم التزامات تتعلق بالسيادة والسلاح، في وقت لا يملك فيه القدرة الكاملة على فرضها. وهنا تكمن المعضلة: التفاوض لا يجري لتغيير الواقع، بل للتكيف معه.
في مواجهة هذا المسار، طرح أمين عام "حزب الله" نعيم قاسم معادلة مغايرة، تقوم على أن الميدان لا يزال هو الحاكم، وأن الهدنة ليست نهاية الحرب بل مرحلة منها.
لكن هذه المعادلة تواجه تحديًا مركبًا: داخليًا، في ظل الانقسام السياسي والضغط الشعبي، وخارجيًا، في ظل بيئة دولية تميل إلى فرض تسويات على حساب التوازنات السابقة.
ما يتشكل اليوم في الجنوب ليس مجرد واقع أمني مؤقت، بل نموذج جديد للصراع. إسرائيل لا تسعى إلى احتلال تقليدي، ولا إلى انسحاب كامل، بل إلى صيغة هجينة تُمسك فيها بكل عناصر التحكم:
1- النار، عبر القدرة على الاستهداف في أي لحظة.
2- الجغرافيا، عبر إعادة رسم الحدود وفق الحاجة، والزمن، عبر التحكم بإيقاع التصعيد والتهدئة.
في هذا النموذج، يصبح الجنوب منطقة “معلّقة”، لا حرب مكتملة ولا سلام مستقر.
والنتيجة التي تفرض نفسها اليوم أن الهدنة ليست نهاية المواجهة، بل إعادة تسميتها. الجنوب لم يخرج من دائرة الصراع، بل دخل في مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث يُعاد تشكيله تدريجيًا كمنطقة عازلة فعلية، فيما يُدفع لبنان إلى التفاوض من موقعٍ هش، بين ضغط الميدان واستحقاقات السياسة.
في هذا المشهد، لا يبدو السؤال الحقيقي: هل ستصمد الهدنة؟
بل: هل يتحول هذا النموذج إلى القاعدة الجديدة للصراع في لبنان… حيث تُدار الحرب بصمت، ويُفرض السلام بالقوة؟