القائمة
03:30 19 أبريل 2026

هل تهدد الحرب "باب المندب" بعد "هرمز": ممرّان يحددان شرايين الطاقة العالمية

دولية

مع استمرار الصراع على مضيق هرمز، وبين تأكيد الرئيس الاميركي دونالد ترامب أن المضيق مفتوح لحرية الملاحة باستثناء الحصار المفروض على ايران، ورد ايران بإغلاق المضيق وفرض رسوم على السفن، يبدو أن احتمالات التصعيد قد تبدو مرجحة.

وفي حين أن أي تصعيد قد يعني اغلاق "هرمز" بسبب العمليات العسكرية، فإن هذا التصعيد نفسه، قد يفتح الباب امام "إسناد" حوثي لإيران هذه المرة قد يعني تهديد الملاحة في باب المندب. 

فما هو الدور الذي يلعبه كل من المضيقين؟

في قلب الجغرافيا السياسية العالمية، يبرز كل من مضيق هرمز وباب المندب كممرّين لا يمكن فصل تأثيرهما عن أمن الطاقة والتجارة الدولية. ورغم اختلاف موقعهما الجغرافي ووظيفتهما داخل خريطة الاقتصاد العالمي، إلا أن كليهما يشكّل "عنق زجاجة" حساساً تتحرك عبره نسب كبيرة من النفط والبضائع، ما يجعل أي اضطراب فيهما حدثاً يتجاوز الإقليم ليصل إلى الأسواق العالمية مباشرة .وفي ظلّ التصعيد المستمر في المنطقة، هذا الواقع الذي يترافق مع فتح وإغلاق أو تهديد دائم للممر، أعاد خلط أوراق أمن الطاقة العالمي، ودفع الأنظار مجدداً نحو مضيق باب المندب باعتباره الشريان البديل أو المكمّل لحركة النفط والتجارة.

الموقع الجغرافي والحجم: نقطتا اختناق في خريطة العالم

يقع مضيق هرمز بين سلطنة عُمان وإيران، ويربط الخليج العربي ببحر العرب عبر خليج عُمان. يبلغ عرضه عند أضيق نقطة بين 33 و39 كيلومتراً، بينما لا تتجاوز ممرات الملاحة الفعلية للسفن 3 إلى 5 كيلومترات في كل اتجاه بسبب تنظيم الحركة البحرية.  أما باب المندب، فيقع بين اليمن من جهة وجيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، ويربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر خليج عدن. ويبلغ عرضه نحو 26 إلى 30 كيلومتراً عند أضيق نقطة، مع ممرات ملاحة فعلية لا تتجاوز 10 كيلومترات للسفن العابرة. ورغم تقارب الضيق الجغرافي، فإن موقع كل منهما يمنحه وظيفة مختلفة بالكامل داخل النظام البحري العالمي.

حجم التدفقات: تفوّق هرمز في النفط مقابل أهمية العبور في باب المندب

من حيث الأرقام، يتفوّق مضيق هرمز بشكل واضح على باب المندب في حجم الطاقة العابرة. إذ يمر عبره يومياً ما بين 17 إلى 20 مليون برميل من النفط، أي ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من قطر. في المقابل، يمر عبر باب المندب نحو 4 إلى 5 ملايين برميل نفط يومياً، إلى جانب حوالي 8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. هذا الفارق يعكس اختلاف الدور بين الممرين:

هرمز هو بوابة الإنتاج والتصدير الأساسية للطاقة، بينما باب المندب هو نقطة عبور استراتيجية تربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس.

حركة الملاحة: بين ناقلات النفط وسفن التجارة

يشهد مضيق هرمز مرور ما بين 70 إلى 90 سفينة نفط يومياً، معظمها ناقلات عملاقة تنقل النفط الخام من دول الخليج إلى الأسواق الآسيوية بشكل رئيسي. أما باب المندب، فيشهد مرور ما بين 30 إلى 50 سفينة يومياً، تشمل ناقلات نفط وسفن حاويات وسلع متنوعة، في إطار حركة تجارية واسعة تربط الشرق بالغرب. وهنا يتضح الفرق الجوهري:

هرمز يركّز على الطاقة، بينما باب المندب يشكّل شرياناً للتجارة العالمية بأكملها.

الأهمية الاستراتيجية: خطر الإغلاق وتأثيره العالمي

أي اضطراب في مضيق هرمز يعني تهديداً مباشراً لإمدادات النفط العالمية، ما ينعكس فوراً على الأسعار والأسواق، نظراً لاعتماد العالم عليه كمصدر رئيسي للطاقة. أما إغلاق باب المندب، فيؤدي إلى تعطيل مسار الشحن بين آسيا وأوروبا، وإجبار السفن على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف ما بين 10 إلى 15 يوماً إضافياً على الرحلات البحرية، ويرفع كلفة النقل والتأمين بشكل كبير.

هل يمكن أن يعوّض أحدهما الآخر؟

رغم الترابط بين الممرين داخل منظومة التجارة العالمية، إلا أنهما لا يؤديان الوظيفة نفسها، وبالتالي لا يمكن لأحدهما أن يعوّض الآخر. ففي حال تعطل هرمز، تتأثر صادرات النفط من المصدر، وهو ما لا يمكن تعويضه عبر باب المندب. وفي حال تعطل باب المندب، تتعطل طرق العبور نحو أوروبا، حتى لو استمرت صادرات النفط من الخليج عبر هرمز. بمعنى أدق، كل مضيق يشكّل حلقة مختلفة داخل سلسلة واحدة، وليس بديلاً عن الآخر.

الخلاصة: ممران في نظام واحد

بين هرمز وباب المندب، لا يدور الحديث عن تنافس بقدر ما هو عن تكامل داخل نظام اقتصادي عالمي شديد الحساسية.

الأول هو بوابة الطاقة من الخليج، والثاني هو ممر العبور إلى أوروبا والعالم، وأي خلل في أحدهما كفيل بإحداث ارتباك في الأسواق العالمية. في النهاية، يختصر الممران معاً هشاشة الاقتصاد العالمي أمام الجغرافيا السياسية، حيث تتحول نقاط ضيقة على الخريطة إلى مفاتيح تتحكم بسلاسل الطاقة والتجارة في العالم بأسره.