القائمة
12:49 18 أبريل 2026

هدنةٌ فوق فوهة التوازن: لبنان بين مقايضة هرمز وخرائط الجنوب الجديدة

محلية

لم تكن الهدنة التي دخلت حيّز التنفيذ في لبنان مجرّد محطة لوقف النار، بل جاءت كنتاج مباشر لتقاطع دولي–إقليمي معقّد، تشكّل في لحظة تفاوضية حساسة بين واشنطن وطهران، وجرى تثبيته عبر مسار متعدد القنوات شاركت فيه عواصم إقليمية فاعلة من الرياض إلى أنقرة، مرورًا بالقاهرة والدوحة، وبإدارة لوجستية وسياسية من إسلام آباد. عمليًا، لم يُصنع القرار في بيروت ولا في تل أبيب، بل فُرض كجزء من صفقة أوسع أعادت ترتيب أولويات الصراع في المنطقة.

وبين الصراع على الاب الفعلي لوقف اطلاق النار في لبنان، وربطه بمضيق هرمز، أي فعليا بالمسار الايراني- الاميركي، استمر السعي الايراني للايحاء بأنها ما تزال زعيمة محورها، في الحرب والسلم، مقابل الإصرار الأميركي على فصل المسارين، الامر الذي انعكس على الصراع داخليا بين الرئيس جوزيف عون من جهة، و"حزب الله" من جهة ثانية. 

وفي هذا الاطار، لم يكن خطاب رئيس الجمهورية جوزيف عون تفصيلا، فهو سعى الى مخاطبة اللبنانيين وشرح مخاطر التفاوض وتثبيت اهدافه، وتثبيت موقع لبنان على طاولة التفاوض، كشريك كامل يحظى بالدعم الاميركي. 

في المقابل، تحرّكت الدول العربية والإقليمية ضمن منطق مغاير، هدفه احتواء هذا الربط لا تكريسه. السعودية، مصر، قطر وتركيا، تعاملت مع اللحظة باعتبارها فرصة لانتزاع لبنان من كونه ورقة تفاوض إيرانية، ومنع تحوّله في الوقت نفسه إلى ساحة نفوذ إسرائيلي دائم. هذا التوازن الدقيق بين الحدّ من النفوذ الإيراني ومنع التمدد الإسرائيلي شكّل الإطار الحقيقي للتحرّك العربي، الذي جرى بالتوازي مع قنوات تواصل مكثفة مع واشنطن وبيروت.

انفجار داخلي مؤجّل وضبط سعودي–إيراني مزدوج

داخليًا، جاءت الهدنة على حافة انهيار سياسي وأمني. التظاهرات التي شهدتها بيروت من قبل مناصري "حزب الله" لم تكن تفصيلًا، بل مؤشّرًا إلى محاولة الحزب وحلفائه فرض ربط المسار اللبناني بالإيراني ميدانيًا، في مواجهة الموقف الرسمي الذي سعى إلى الفصل. هذا التوتر كان ينذر بانزلاق داخلي خطير، خصوصًا مع ارتفاع منسوب الخطاب المذهبي.

هنا، دخلت الرياض بقوة على خط التهدئة، ليس فقط عبر دعم الحكومة، بل من خلال تواصل مباشر مع رئيس البرلمان نبيه بري لضبط الإيقاع داخل البيئة الشيعية. هذا الدور تزامن مع اتصالات سعودية–إيرانية على مستوى وزيري الخارجية، وبالتوازي مع قناة باكستانية نشطة، ما أدى إلى إنتاج نوع من “التفاهم الضمني” على احتواء الانفجار.

وفي هذا الاطار، فإن الاتصال الذي أجراه رئيس الحكومة نواف سلام مع نظيره الباكستاني شهباز شريف لم يكن بروتوكوليًا، بل جاء كجزء من محاولة إدخال لبنان رسميًا في مظلة الاتفاق، ومنع استثنائه من ترتيبات وقف النار الإقليمية.

بري في قلب التسوية: تنسيق فوق الضغوط

في ذروة الضغط الشعبي والسياسي، اختار نبيه بري التموضع داخل مسار التسوية، لا خارجه. الرجل الذي واجه محاولات لدفعه نحو التصعيد، كان في الواقع يدير تنسيقًا متوازيًا مع الإيرانيين والسعوديين، هدفه منع انهيار شامل يهدد البيئة الشيعية قبل غيرها.

زيارة المعاون السياسي لبري، علي حسن خليل، إلى الرياض لم تكن حدثًا عابرًا، بل جزءًا من إعادة ضبط العلاقة بين الداخل اللبناني والإطار العربي، حيث تم التفاهم على ثلاثة عناوين أساسية: تثبيت الاستقرار الداخلي، حماية الحكومة، والعمل على تمديد الهدنة وربطها بمسار سياسي أوسع. الرسالة السعودية كانت واضحة: لا فتنة، لا انهيار، ولا ترك لبنان يسقط بين النفوذين الإيراني والإسرائيلي.

ثلاثية ما بعد الهدنة: انسحاب، سلاح، واتفاق

رغم تثبيت وقف النار، فإن جوهر الأزمة لم يُحلّ، بل جرى تأجيله ضمن ثلاث قضايا مركزية:

1- الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وهو ملف لا يزال معلقًا في ظل سعي تل أبيب لتثبيت "منطقة عازلة" بحكم الأمر الواقع.

2- حصر السلاح بيد الدولة، وهو العنوان الأكثر تعقيدًا لارتباطه المباشر بقرار إيراني استراتيجي.

3- طبيعة الاتفاق مع إسرائيل، بين ترتيبات أمنية محدودة أو مسار سياسي أوسع.

الملف الثاني تحديدًا يشكّل مفتاح المرحلة المقبلة. فواشنطن تضغط لإنهاء منظومة تسليح الحلفاء الإيرانيين، بينما تسعى طهران إلى تحويل هذا الملف إلى ورقة تفاوض مقابل أثمان سياسية واقتصادية، خصوصًا في ظل الحديث عن الإفراج عن أموالها المجمدة.

هدنة أميركية… بهامش إسرائيلي؟

في موازاة المسار السياسي، فرضت إسرائيل واقعًا ميدانيًا جديدًا. الحديث عن "خط فصل" بعمق يصل إلى عدة كيلومترات داخل الجنوب لا يمكن قراءته إلا كترجمة عملية لمشروع منطقة عازلة. هذا يعني أن الهدنة، بصيغتها الحالية، لا تؤسس لانسحاب، بل لإعادة تعريف السيطرة، وهذا ما يطرح على "الحزب" أسئلة مصيرية: هل سيكون ذلك بابا للانقضاض على الاتفاقات؟ أم انه سيقبل بما تبلغه به ايران ويكرس هزيمة السلاح؟

تصريحات الرئيس الاميركي دونالد ترامب حول منع القصف بدت كغطاء سياسي للتهدئة، ضكلت صدمة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي كان أكد أن الحرب لم تنتهِ، وأن "تفكيك حزب الله" لا يزال هدفًا قائمًا. 

لبنان في مهب التوازنات

الخلاصة أن لبنان دخل مرحلة جديدة لا تقل تعقيدًا عن الحرب نفسها. الهدنة لم تُنهِ الصراع، بل نقلته من الميدان المفتوح إلى طاولة تفاوض مشروطة بالقوة.

البلد اليوم عالق بين ثلاثة ضغوط متوازية:

1- إصرار إسرائيلي على فرض وقائع أمنية جديدة.

2- تمسك إيراني بنفوذه وأدواته.

3- سعي عربي لمنع سقوط لبنان بالكامل في أي من المحورين.

وفي قلب هذا المشهد، يبقى المسار الأميركي–الإيراني هو العامل الحاسم. فإذا استقر هذا المسار، يمكن للهدنة أن تتحول إلى تسوية. أما إذا تعثّر، فإن ما نشهده اليوم قد لا يكون سوى استراحة قصيرة قبل جولة أكثر تعقيدًا وخطورة.