القائمة
12:58 17 أبريل 2026

الجنوبيون يكتبون "بيان العودة" و"معادلة الردع": قرانا للحياة ايضاً

محلية

على طول الطريق، تمتدّ قوافل السيارات بلا انقطاع، كأنها نهرٌ من الحديد والزجاج يتحرّك بإيقاعٍ واحد نحو الجنوب. سيارات صغيرة وكبيرة، شاحنات بيك أب، و"فانات" عائلية، جميعها محمّلة حتى آخر رمق: وسادات و"فرشات" تم ربطها بإحكام، خزائن صغيرة، أكياس ممتلئة، وأغراض متراكمة تعكس حياةً أُخذت على عجل. 

مشهد يعكس ذروة التمسك بالهوية والارض، لم يأبه النازحون الجنوبيون، الى تهديد الجيش الإسرائيلي بعدم العودة الى جنوب الليطاني، وكذلك بدعوات رئيس المجلس النواب نبيه بري وبيان "حزب الله"، بالتريّث وعدم العودة الى الجنوب والضاحية. 

لقد أعاد الجنوبيون، في اليوم الاول لوقف اطلاق النار، تعريف النصر والصمود: العودة إلى منازلهم، والصمود في قراهم ولو تحولت إلى أكوام من الركام، هي جوهر المقاومة الفعلي وليس القتال وحده.

النوافذ نصف مفتوحة، والوجوه تطلّ منها بترقّبٍ وبسمة، تراقب الطريق كما لو أنها تكتشفه من جديد. الإشارات الضوئية تختفي تحت ضغط الزحمة، ويحلّ مكانها تفاهمٌ غير معلن بين السائقين: التقدّم ببطء، الانتظار، ثم المتابعة، ضمن مشهدٍ جماعي يوحي بأن الجميع يسير نحو مصيرٍ واحد.

تتحوّل قوافل العودة إلى طوابير متلاصقة، تتقدّم ببطء شديد فوق الجسور المؤقتة التي نُصبت على عجل. السيارات تمرّ واحدة تلو الأخرى، مثقلةً بحمولتها، إطاراتها تلامس الحواف بحذر، وكأن الطريق نفسه غير ثابت.

 بعض السائقين يميلون برؤوسهم خارج النوافذ لتقدير المسافة، وآخرون يثبتون نظرهم إلى الأمام دون التفات. في الخلف، ترتجف الأغراض المكدّسة مع كل حركة، بينما الأطفال يراقبون بصمت أو يطرحون أسئلة لا تجد جواباً سريعاً. ومع كل سيارة تعبر، يتكرّس مشهد العودة كحركة جماعية دقيقة، حيث يلتقي التعب بالإصرار، وتُختصر الرحلة كلها في لحظة عبور ضيّقة.

كسر قيود التريّث وحسابات الميدان

ورغم المخاوف الجدية من نقض إسرائيل للهدنة التي دخلت حيز التنفيذ، إلا أن "زحف القلوب" كان أسرع من البيانات الرسمية. بالنسبة للعائدين، التريّث هو تمديد لآلام النزوح، بينما العودة هي استعادة للأنفاس وشمّ لتراب الديار الذي يمنحهم طاقة الصمود لشهور قادمة، ضاربين عرض الحائط بكل التحذيرات الإسرائيلية التي حاولت عزل منطقة جنوب الليطاني.

على طول الطريق الساحلي، تحركت فرق وزارة الأشغال والجيش اللبناني لإنشاء جسور مؤقتة بديلة عن تلك التي دمرتها اسرائيل  في الأولي والقاسمية والزهراني. فوق هذه المسارات،

 تحركت قوافل العودة في مشهد يفرض أمراً واقعاً. وفي المقابل، بدت الصورة في الضاحية الجنوبية لبيروت أكثر تعقيداً، إذ تقتصر الحركة على المداخل المحاذية لمناطق مار مخايل وصفير، بينما لا تزال أحياء أخرى مقفلة تماماً بفعل الركام الهائل، مما جعل العودة هناك أكثر حذراً وبطئاً مقارنة بالاندفاعة الجنوبية.

سياسياً وميدانياً، لم تكن هذه العودة مجرد فعل عاطفي، بل كانت خطوة أربكت حسابات "حزب الله" نفسه. فبيان الحزب الذي طالب الناس بالتريّث لم يكن تقنياً فحسب، بل كان يهدف في جانب منه إلى إبقاء الجنوب "ساحة معركة" مفتوحة على شتى الاحتمالات لتسهيل التحركات العسكرية والمناورة الميدانية. إلا أن الناس، بقرارهم الفوري بالعودة، كسروا هذا ورأوا أن صمودهم في بيوتهم هو الذي يمنع الاحتلال من التغلغل أو فرض واقع "المنطقة المحروقة".

إعادة تعريف النصر

يبدو أن إصرار الجنوبيين على ملء الفراغ الجغرافي يوجه رسالة سياسية مزدوجة ويعيد تعريف النصر: الأولى لاسرائيل بأن الأرض لن تُترك للاستباحة، والثانية للحزب بأن "بيئة المقاومة" قررت أن تمارس حقها في الحياة فوق الركام، رافضةً منطق بقاء قراها مجرد "ساحات للقتال".

 بالنسبة للعائدين، النوم فوق أنقاض المنازل هو الضمانة الوحيدة لعدم خسارة الأرض نهائياً، وهو الفعل الذي حوّل العودة من مجرد انتقال جغرافي إلى مواجهة سياسية صامتة تفرض شروط الناس على الجميع.

هذه العودة الهادرة، تعقد كل الحسابات العسكرية، وربما تجعل حسابات العودة الى الحرب اكثر تعقيدا. هذه معادلة الردع الجديد التي قرر الجنوبيون ان يرسموها اليوم.