في خضم التصعيد السياسي والإعلامي الذي يشهده لبنان، يبرز مشهد لافت يكشف حجم التناقض والالتفاف في مواقف حزب الله، خصوصاً في ما يتعلق برفض التفاوض المباشر مع اسرائيل من جهة، ومحاولة إظهاره كخيار شعبي عابر للطوائف من جهة أخرى. غير أنّ الوقائع الأخيرة أظهرت أن هذه السردية بدأت تتهاوى، بل تحوّلت إلى مادة للسخرية والفضيحة.
أولى هذه الوقائع تمثّلت في انتشار خبر مقتل شخص قُدِّم على أنه "قائد القطاع السادس في المقاومة" في منطقة برج حمود، تحت اسم "مانويل ببيكان"، في محاولة واضحة لإيحاء أن المقاومة تضم قيادات من الطائفة الأرمنية. لكن سرعان ما تبيّن أن القصة برمتها "مزحة" بين الشاب وأصدقائه، وأن اسمه الحقيقي "مانوك أبيدكيان"، ولا يمتّ بأي صلة إلى حزب الله. هذه الحادثة لم تكن مجرد خطأ إعلامي عابر، بل كشفت عن محاولة فبركة صورة تنوّع طائفي داخل الحزب، سقطت بشكل سريع ومحرج، ما وضع الحزب في موقف بدا وكأنه "غرق بشربة مياه".
وفي السياق نفسه، برزت مشاهد من تظاهرة يوم السبت زادت من تعرية هذا المشهد. إذ ظهر أحد المشاركين معرّفاً عن نفسه بأنه مسيحي من بلدة القليعة، قبل أن يتبيّن لاحقاً أنه شيعي من مركبا. كما لوحظ شخص آخر يحمل علم "تيار المستقبل"، في محاولة لإظهار دعم من بيئة سنّية، غير أن مظهره لا سيما الخواتم التي تُعتبر رمزاً شائعاً لدى الشيعة أثار الشكوك حول حقيقة انتمائه.
ولم تتأخر ردود الفعل السياسية، إذ أصدر "تيار المستقبل" بياناً واضحاً نفى فيه أي علاقة له بهذه التحركات، مؤكداً أنه لا يدعم هذه التظاهرات. كذلك، موقف "حركة أمل" عبر مكتب الشباب والرياضة، ما زاد من عزلة هذه التحركات وكشف زيف الادعاءات بأنها تعبّر عن إجماع وطني.
هذه الوقائع مجتمعة تطرح تساؤلات جدية حول الأسلوب الذي يُعتمد لتسويق مواقف حزب الله، لا سيما في مسألة رفض التفاوض.يبدو أنه يُقدَّم عبر محاولات مصطنعة لإظهاره كخيار جامع لمختلف الطوائف، وهو ما يتناقض مع الحقائق على الأرض.
في المحصلة، ما جرى لا يمكن اعتباره مجرد أخطاء فردية أو حالات معزولة، بل هو مؤشر على أزمة أعمق تتعلق بفقدان القدرة على إقناع الرأي العام، واللجوء إلى "الإخراج المسرحي" لملء هذا الفراغ. إلا أن هذا الأسلوب، كما أظهرت الأحداث، لم يعد قابلاً للاستمرار في ظل سرعة انكشاف الحقائق، ما يجعل من هذه "الفضيحة" محطة مفصلية في كشف حقيقة المشهد.