القائمة
02:44 14 أبريل 2026

المقاربة المزدوجة: فرنسا ترسم خريطة طريق بين السياسة والاقتصاد في "هرمز"

دولية

في خضمّ التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط، برزت أزمة مضيق هرمز كاختبار دقيق لقدرة الدول على التوفيق بين الاعتبارات السياسية والاقتصادية. وفي هذا السياق، تقدّم فرنسا نموذجاً لمقاربة مزدوجة، تحاول من خلالها الموازنة بين تجنّب الانخراط العسكري من جهة، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة من جهة أخرى، في ظل تباين واضح مع التوجهات الأميركية التي يقودها دونالد ترامب.

فمن الناحية السياسية، شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أن بلاده لن تشارك في أي عمليات عسكرية لفتح مضيق هرمز، نافياً بذلك ما تم تداوله حول احتمال انضمام باريس إلى جهود تقودها واشنطن. ويعكس هذا الموقف حرصاً فرنسياً على تجنّب التصعيد العسكري في منطقة شديدة الحساسية، خصوصاً في ظل حرب مشتعلة قد تتوسع تداعياتها.

في المقابل، ومن الزاوية الاقتصادية، برزت تصريحات المدير التنفيذي لمجموعة  توتال انرجي باتريك بوياني، خلال مؤتمر عُقد في واشنطن على هامش اجتماعات الربيع لـ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث أكد أن "إعادة فتح مضيق هرمز وحرية الملاحة فيه، حتى لو تطلب الأمر دفع رسوم لأي طرف، أمر بالغ الأهمية لحرية السوق". ويعكس هذا الموقف إدراكاً عميقاً لدى الشركات الكبرى لحجم المخاطر التي يفرضها استمرار إغلاق هذا الشريان الحيوي على الإمدادات العالمية.

ومنذ اندلاع الحرب إثر ضربات أميركية وإسرائيلية مشتركة على إيران، أغلقت طهران بشكل شبه كامل المضيق الذي يمر عبره نحو خُمس الإنتاج العالمي من النفط والغاز الطبيعي المسال، ولم تعبره سوى أعداد محدودة من السفن، معظمها إيراني. وقد أدى ذلك إلى تراجع في المعروض وارتفاع ملحوظ في الأسعار، تفاقم مع الحصار الذي فرضته إدارة ترامب على الموانئ الإيرانية.

وفي هذا الإطار، أوضح بوياني أن المشكلة لا تكمن فقط في رسوم العبور التي فرضتها طهران، والتي قدّرها بدولار واحد للبرميل، بل في التهديدات التي تطال سلامة الملاحة في المضيق، معتبراً أن هذه المخاطر هي العامل الأكثر تأثيراً في الأسواق. كما أشار إلى أن الدول الغربية تمتلك احتياطات تكفي لنحو ثلاثة أشهر، ما يمنحها هامشاً مؤقتاً، لكنه حذّر من أن استمرار الإغلاق لفترة أطول قد يؤدي إلى أزمات فعلية في إمدادات بعض المنتجات الحيوية مثل الكيروسين.

وهكذا، لا يظهر الموقف الفرنسي كحالة تناقض بقدر ما يعكس مقاربة متكاملة تقوم على توزيع الأدوار: سياسة تسعى إلى التهدئة وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، واقتصاد يدق ناقوس الخطر ويدفع نحو ضمان استمرارية تدفق الطاقة. وبين هذين البعدين، تحاول باريس الحفاظ على توازن دقيق في واحدة من أكثر أزمات الطاقة حساسية على المستوى العالمي.