القائمة
10:19 14 أبريل 2026

بنت جبيل تحدد إطار المسار الديبلوماسي وسط إعادة تشكيل الاقليم... وسوريا تحبط فتنة "الحزب"

محلية

لبنان يتّجه إلى طاولة التفاوض فيما النار ما تزال تُدار كأداة سياسية قبل أن تكون أداة عسكرية. ليس ما يجري في الجنوب مجرد تصعيد ميداني عابر، بل عملية منظمة لإعادة تشكيل الواقع الحدودي، بحيث تتحول الوقائع التي تُفرض بالقوة إلى شروط مسبقة على أي مسار تفاوضي لاحق. إسرائيل لا تنتظر نتائج التفاوض، بل تسابقه، وتتعامل معه كمرحلة تالية لمرحلة الحسم الميداني، لا بديلاً عنها. 

في هذا السياق، تتكثّف العمليات في بنت جبيل ومحيطها، حيث تحوّلت المدينة إلى مركز ثقل المعركة. لم يعد الهدف تنفيذ اختراقات محدودة أو توجيه ضربات موضعية، بل تثبيت واقع عسكري قابل للاستمرار. الانتقال من نمط الغارات والتوغلات إلى نمط “التثبيت” يشير إلى تحوّل في القرار الإسرائيلي: من إدارة المعركة بالنار إلى إدارة الجغرافيا بالنار. وهذا ما يفسّر الحديث عن إنشاء معسكرات دائمة على الخط الأول من القرى، وربطها ضمن شبكة سيطرة ميدانية متصلة.

بنت جبيل: مدينة الذاكرة والسردية 

بنت جبيل هنا ليست تفصيلاً. هي عقدة عسكرية ورمزية في آن واحد. بالنسبة لإسرائيل، تمثّل إحدى أبرز نقاط تمركز “حزب الله” على مستوى البنية القتالية واللوجستية. وبالنسبة للحزب، هي مدينة الذاكرة، حيث تداخلت سردية “التحرير” مع معارك 2006. لذلك، فإن المعركة فيها ليست فقط على الأرض، بل على المعنى. السيطرة على ملعب، أو حي، أو عقدة طرق، تُترجم فوراً إلى رسالة سياسية ونفسية تتجاوز حدودها الجغرافية.

المعطيات المتداولة تشير إلى أنّ إسرائيل تعمل وفق مقاربة واضحة: تطويق، اقتحام، ثم تثبيت. الهدف ليس فقط كسر قدرة الخصم، بل تقليص مساحات حركته وتحويلها إلى جيوب معزولة. بالتوازي، يجري الضغط بالنار على المحاور الأخرى، شرقاً وغرباً، لخلق بيئة ميدانية موحّدة تفرض نفسها لاحقاً على أي اتفاق.

ديبلوماسية دفاعية

سياسياً، لا يوجد فصل بين الحرب والتفاوض. تصريحات بنيامين نتنياهو، التي تؤكد استمرار العمليات حتى أثناء المفاوضات، تعكس هذا التوجّه بوضوح. الحديث عن “منطقة أمنية عميقة” بدل نقاط محدودة، وعن السيطرة على القرى وتدميرها، ليس خطاباً تفاوضياً، بل إعلان نوايا لإعادة رسم الشريط الحدودي بالكامل. التفاوض، في هذه المقاربة، ليس وسيلة لوقف الحرب، بل أداة لتكريس نتائجها.

في المقابل، يدخل لبنان المسار الديبلوماسي اليوم من موقع دفاعي. الهدف المعلن هو وقف إطلاق النار، لكن من دون أي ضمانات جدية حتى الآن. الولايات المتحدة تضغط، والأوروبيون يدعمون، والعرب يواكبون، لكن المؤشرات الإسرائيلية لا توحي باستعداد فعلي للتراجع. بذلك، يجد لبنان نفسه أمام معادلة صعبة: التفاوض تحت النار، مع خطر أن تتحوّل هذه النار نفسها إلى مرجعية تفاوضية.

سوريا – لبنان: تداخل جبهات

غير أنّ المشهد لا يقتصر على الجنوب اللبناني. في الخلفية، تتحرّك سوريا كعامل ضبط لا يمكن تجاهله، وقد برز ذلك بوضوح من خلال حادثة محاولة اغتيال الحاخام ميخائيل حوري في حي باب توما بدمشق، والتي أحبطتها الأجهزة الأمنية السورية في توقيت شديد الحساسية.

هذه العملية، من حيث طبيعتها، لا يمكن قراءتها كحادث أمني معزول. اختيار الهدف – شخصية دينية يهودية – والمكان – قلب العاصمة دمشق وفي محيط منطقة ذات حساسية طائفية – يشيران إلى محاولة متعمدة لإشعال فتنة داخلية، وإدخال سوريا في مسار توتر موازٍ لما يجري في لبنان. التوقيت، بالتوازي مع التصعيد الإقليمي، يعزّز هذا الاستنتاج.

الرواية السورية التي ربطت الخلية بجهات على صلة بـ“حزب الله” – بغض النظر عن نفي الحزب – تحمل بدورها رسائل سياسية. دمشق هنا لا تكتفي بإحباط العملية، بل تستخدمها لإعادة رسم موقعها في المعادلة الإقليمية. فهي تقول عملياً إنها لن تكون ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لتوسيع رقعة الصراع.

الأبعاد الثلاثة للرسالة السورية واضحة. أولاً، داخلياً: تثبيت صورة الدولة القادرة على حماية مختلف المكونات، ومنع الانزلاق إلى الفوضى. ثانياً، إقليمياً: التأكيد على أن سوريا الجديدة لن تسمح باستخدام أراضيها كجبهة إضافية في الصراع. ثالثاً، دولياً: تقديم نفسها كشريك في الاستقرار، لا كعنصر اضطراب.

لكن في الوقت نفسه، تعكس هذه الحادثة حجم التعقيد في المرحلة. فمحاولة اغتيال من هذا النوع، في هذا التوقيت، تعني أن هناك جهات تسعى إلى فتح جبهات إضافية، أو على الأقل توسيع مساحة التوتر. وهذا ما يجعل الدور السوري حساساً: هو دور ضبط، لكن في بيئة إقليمية تتجه نحو الانفجار.

هذا التداخل بين الجبهات – لبنان وسوريا – يعكس طبيعة الصراع الحالي. لم يعد بالإمكان فصل المسارات جغرافياً أو سياسياً. ما يجري في الجنوب اللبناني ينعكس مباشرة على الساحة السورية، والعكس صحيح. أي خلل في إحدى الجبهات يمكن أن يُترجم بسرعة إلى تصعيد في الأخرى.

إعادة صياغة للإقليم

في هذا الإطار، يمكن فهم المشهد العام كعملية إعادة تشكيل إقليمية. إسرائيل تسعى إلى فرض معادلة جديدة بالقوة، قائمة على إبعاد التهديد عبر السيطرة المباشرة. لبنان يحاول الحفاظ على ما تبقى من هامش سياسي عبر التفاوض. وسوريا تتحرك لضبط جبهتها ومنع انزلاقها إلى قلب المواجهة.

لكن الخطر يكمن في نقطة التلاقي بين هذه المسارات. إذا استمرت إسرائيل في فرض الوقائع، وفشل التفاوض في وقف النار، ومع وجود محاولات لفتح جبهات جديدة كما في حادثة دمشق، فإن المنطقة قد تتجه إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تتداخل الحروب وتفقد السيطرة عليها.

في المحصلة، نحن أمام لحظة لا تُختصر بعنوان واحد. بنت جبيل ليست فقط معركة، بل ورقة تفاوض. دمشق ليست فقط ساحة مستقرة، بل خط تماس محتمل. والتفاوض ليس بديلاً عن الحرب، بل امتداد لها بأدوات مختلفة. بين هذه العناصر، يتشكّل المشهد: نار تُنتج سياسة، وسياسة تُدار بالنار، ومنطقة بأكملها تُعاد صياغتها على وقع هذا التداخل.