القائمة
10:30 06 أبريل 2026

الجوع مقابل الولاء: العقيدة المالية التي تحمي النظام الايراني

دولية

لو جُرّد النظام الإيراني من "ترسانته المالية" التي يغدق بها على أنصاره، لربما سقطت أعمدة حكمه منذ سنوات تحت وطأة الاحتجاجات المتتالية. فبقاء النظام الحالي في طهران لا يعتمد على الإقناع الأيديولوجي وحده، بل على منظومة مساعدات وامتيازات صممت بدقة لتجعل من "الولاء" شرطاً وحيداً للثراء والأمان المعيشي في بلد يغرق في الأزمات.

تُشير أحدث الاستطلاعات، وبحسب تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، إلى أن 20% فقط من الإيرانيين لا يزالون يدعمون النظام القائم في طهران. ورغم ضآلة هذه النسبة، إلا أنها تشكل الكتلة الأكثر تماسكاً في الدفاع عن بقاء السلطة، ليس فقط بدافع العقيدة، بل لأن سقوط النظام يمثل تهديداً مباشراً لقمة عيشهم وامتيازاتهم المالية.

يرتكز جهاز الأمن الإيراني على نظام "حوافز اقتصادية" محكم، حول الدولة إلى شبكة حماية كبرى تسيطر على أكثر من نصف الاقتصاد الإيراني. وبحسب أكاديميين ومحللين، فإن النظام يكافئ "الأقلية الموالية" بالأموال، والوظائف القيادية، والفرص التعليمية، مقابل قمع المعارضين والالتزام التام بخط المرشد، مما خلق عقداً اجتماعياً واقتصادياً يجعل من الصعب إقناع هذه الفئة بالانقلاب على السلطة.

يُعد الحرس الثوري الإيراني المحرك الرئيسي لهذا النظام، فهو يضم 125 ألف عنصر يتقاضون رواتب مجزية، ويعمل في الوقت ذاته كأكبر تكتل اقتصادي في البلاد. تهيمن شركات الحرس، وعلى رأسها مجموعة "خاتم الأنبياء"، على قطاعات النفط، والغاز، والاتصالات، والبناء، بعقود تُقدر قيمتها بنحو 50 مليار دولار، أي ما يعادل 14% من الناتج المحلي الإجمالي.

هذه الإمبراطورية المالية تمنح المنتسبين إليها امتيازات تشمل:

• رواتب تصل إلى خمسة أضعاف رواتب القطاع الخاص.

• الحصول على العملات الأجنبية بأسعار تفضيلية وقروض ميسرة لشراء عقارات في أرقى مناطق طهران.

• توفير سيارات وسكن وبعثات دراسية لأبنائهم في أفضل الجامعات.

إلى جانب القوة النخبوية، يعتمد النظام على نحو 700 ألف متطوع في قوات "الباسيج". هؤلاء ليسوا مجرد مقاتلين، بل هم موظفون وطلاب منتشرون في كل زاوية من المجتمع. يحصل أفراد الباسيج على "قسائم شراء" وامتيازات وظيفية تجعل من خدماتهم التطوعية، مثل حراسة الحواجز أو المشاركة في قمع الاحتجاجات، استثماراً مربحاً لا يمكنهم التخلي عنه، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية الخانقة.

ولا يتوقف الأمر عند العسكر، إذ يسيطر رجال دين محافظون على مؤسسات ضخمة تُعرف بـ "البُنياد" (المؤسسات الدينية)، وهي كيانات معفاة من الضرائب وتدير فنادق ومستشفيات ومصانع كبرى. وبالتحالف مع الحرس الثوري، تسيطر هذه المنظومة على مفاصل الدولة، مما يخلق طبقة من الموظفين الحكوميين (نحو 3 ملايين شخص) يجدون أنفسهم مضطرين لإظهار الولاء المطلق لضمان بقائهم في وظائفهم.

ختاماً، قوة النظام الإيراني لا تكمن في شعبيته المفقودة، بل في كونه حوّل "الولاء" إلى "سلعة". فبالنسبة للأقلية المستفيدة، لا يعني سقوط النظام تغييراً في شكل الحكم فحسب، بل يعني انهياراً كاملاً لمصالحهم المالية واختفاءً للامتيازات التي رفعتهم فوق بقية الشعب، وهو ما يجعلهم "خط الدفاع الأخير" والأكثر استماتة في وجه أي محاولة للتغيير.