في ظل الطفرة غير المسبوقة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، تزايدت المخاوف من أن هذه التكنولوجيا قد تؤدي إلى اختفاء ملايين الوظائف حول العالم. لكن بعد مرور عدة سنوات على انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، بدأت الصورة تتضح أكثر: فالتكنولوجيا لا تقضي على الوظائف بالكامل، بل تغيّر طبيعتها.
الواقع يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى اختفاء بعض المهن، لكنه في الوقت نفسه سيخلق فرص عمل جديدة. السؤال الأهم الذي يشغل قادة الشركات اليوم ليس ما إذا كانت الوظائف ستتغير، بل كم سيستغرق الانتقال بين الوظائف القديمة والجديدة.
ويرى بعض الخبراء أن هذه المرحلة الانتقالية قد تستغرق وقتًا أطول بكثير مما يعتقده الكثيرون.
فهرس المحتوى [إظهار]
درس من التاريخ: كيف غيّر الهاتف سوق العمل
لفهم تأثير التكنولوجيا على الوظائف، يمكن العودة إلى مثال تاريخي مهم وهو اختراع الهاتف.
قبل حوالي 150 عامًا، أجرى ألكسندر جراهام بيل أول مكالمة هاتفية في التاريخ. ومع انتشار هذه التقنية لاحقًا، ظهرت مهنة كانت أساسية في تشغيل شبكات الاتصال: موظفو المقاسم الهاتفية.
في خمسينيات القرن الماضي، كان هناك نحو 340 ألف موظف يعملون في توصيل المكالمات يدويًا عبر لوحات التوصيل، وهي وظيفة كانت تعادل من حيث العدد تقريبًا عدد مساعدي أطباء الأسنان اليوم.
لكن هذه الوظائف لم تختفِ فجأة رغم تطور التكنولوجيا.
لماذا لم تختفِ وظائف المقاسم الهاتفية بسرعة؟
على الرغم من اختراع أنظمة الاتصال الآلي التي يمكنها تنفيذ عمل المشغلين، استغرق الأمر أكثر من ستة عقود حتى اختفت هذه الوظائف تدريجيًا.
السبب لم يكن تقنيًا فقط، بل اجتماعيًا أيضًا.
في ذلك الوقت كانت شركات الهاتف تعتقد أن طلب المستخدمين للأرقام بأنفسهم قد يكون معقدًا. لذلك كان المشغلون يمثلون جزءًا مهمًا من تجربة الخدمة.
إقرأ أيضاً: ساعة القيامة: ما قصتها وكم يفصلنا عن النهاية؟ تفاصيل صادمة سببها الذكاء الاصطناعي
وبحسب أبحاث بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، لم يكن دور هؤلاء الموظفين تقنيًا فقط، بل إنسانيًا أيضًا، حيث كانوا:
- يعرفون الكثير من العملاء بشكل شخصي
- نقلون الرسائل المهمة في حال عدم الرد
- تحدثون مع المتصلين حول الأخبار أو الطقس أو الأحداث الرياضية
بعبارة أخرى، العنصر البشري هو ما جعل هذه الوظائف تستمر لفترة طويلة رغم توفر البدائل التقنية.
فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي
بعد عدة سنوات من انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة، أصبح من الواضح أن الصفات البشرية لا تزال تلعب دورًا أساسيًا في العمل.
فحتى عندما تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي تقديم توصيات حول كيفية التعامل مع العملاء أو حل المشكلات، يبقى القرار النهائي غالبًا بيد الإنسان.
السبب بسيط:
الذكاء الاصطناعي قد يقدم المعلومات والتحليل، لكن الخبرة البشرية والحدس والتواصل الإنساني تظل عناصر لا يمكن استبدالها بسهولة.
مخاطر الذكاء الاصطناعي على الوظائف
في نهاية المطاف، تبنت شركات الاتصالات الأتمتة بسبب الضغوط المالية والتطور التكنولوجي، لكن العملية كانت بطيئة.
وإذا كرر التاريخ نفسه مع الذكاء الاصطناعي، فمن المرجح أن:
يحتفظ معظم العاملين الحاليين بوظائفهم لفترة طويلة لكن طبيعة الوظائف قد تتغير تدريجيًا وقد تكون الأجيال القادمة هي الأكثر تأثرًا بالتحولات الجديدة
رغم هذا التحليل التاريخي، يحذر بعض الخبراء من احتمال حدوث تغييرات أسرع هذه المرة.
فقد عبّر الاقتصادي أنطون كورينيك عن قلقه من إمكانية حدوث خسائر كبيرة في الوظائف في الولايات المتحدة خلال وقت قريب.
وأشار إلى أن العاملين في مختبرات تطوير الذكاء الاصطناعي يدركون حجم التغيرات القادمة، بل إن بعضهم يشعر بالقلق من سرعة التطور التكنولوجي.
الشركات بدأت بالفعل في تقليل الوظائف
تشير بعض المؤشرات إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي بدأ يظهر بالفعل في سوق العمل.
فقد قامت شركة Block التابعة لجاك دورسي بتقليص عدد موظفيها بنحو 40% مؤخرًا، مشيرة إلى أن تطورات الذكاء الاصطناعي كانت أحد أسباب هذا القرار.
ويتوقع محللون أن تحذو شركات أخرى حذوها خلال السنوات القادمة.
كيف تتعامل الشركات مع دمج الذكاء الاصطناعي؟
مع تزايد أهمية الذكاء الاصطناعي، بدأت الشركات في البحث عن طرق فعالة لدمجه في بيئة العمل.
تشير تقارير حديثة إلى أن بعض الشركات تعتمد على:
برامج تدريب مكثفة للموظفين
ورش عمل لتعليم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي
مكافآت لمن ينجح في دمج التقنية في عمله
في المقابل، تختلف الآراء حول من يجب أن يقود عملية التبني:
بعض الشركات ترى أن عليها تحديد استخدامات التقنية
بينما يعتقد آخرون أن المستخدمين أنفسهم يجب أن يكتشفوا أفضل الطرق للاستفادة منها
العامل الأكثر استفادة من الذكاء الاصطناعي
يتفق الكثير من الخبراء على أن الموظفين الأكثر مبادرة هم من سيستفيدون أكثر من الذكاء الاصطناعي.
فالقيمة الحقيقية لهذه التكنولوجيا لا تأتي فقط من توفرها، بل من مدى استعداد الأفراد لتعلمها وتطوير مهاراتهم باستخدامها.
ومع ذلك، يرى بعض رواد التكنولوجيا أن الشركات يجب أن تقود الابتكار. فقد كان ستيف جوبز يعتقد أن المستهلكين لا يعرفون دائمًا ما يريدون، وأن دور الشركات هو تقديم الحلول التي لم يتخيلوها من قبل.
المراجع: semafor