القائمة
03:30 07 حزيران 2026
خاص "كواليس"

من هرمز إلى دمشق: كيف غيّرت الحرب أولويات الاقتصاد الخليجي؟

وراء الكواليس

دفعت الحرب الأخيرة المرتبطة بإيران دول الخليج إلى إعادة النظر في عدد من المسلمات الاقتصادية التي حكمت سياساتها خلال العقد الماضي، وفي مقدمتها فرضية الاستقرار الإقليمي طويل الأمد الذي قامت عليه مشاريع التنويع الاقتصادي والاستثمارات الضخمة في قطاعات التكنولوجيا والسياحة والخدمات المالية واللوجستية.

وعلى الرغم من الاضطرابات التي أصابت حركة التجارة والطاقة والنقل البحري، لم تتراجع دول الخليج عن مشاريعها الاقتصادية الكبرى، بل اتجهت إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتعزيز القطاعات المرتبطة بالأمن الاقتصادي والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة وسلاسل الإمداد البديلة.

وأعادت الأزمة تسليط الضوء على مضيق هرمز بوصفه نقطة الضعف الرئيسية للاقتصادات الخليجية، بعدما أظهرت التطورات أن أي اضطراب أمني في الممر البحري ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وتكاليف التأمين والشحن وحركة الاستثمارات. ونتيجة لذلك، بدأت الحكومات الخليجية والشركات الكبرى اعتماد مقاربة جديدة تقوم على بناء بدائل ومسارات احتياطية تقلل من الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية.

وفي هذا السياق، برزت السعودية كأحد أكثر الاقتصادات الخليجية قدرة على امتصاص تداعيات الأزمة، مستفيدة من منافذها على البحر الأحمر وشبكات النقل والأنابيب البديلة. كما دفعت الحرب الرياض إلى تسريع مراجعة أولويات "رؤية 2030"، مع تركيز أكبر على قطاعات الذكاء الاصطناعي والتعدين والصناعة والخدمات اللوجستية، بدلاً من بعض المشاريع العملاقة مرتفعة الكلفة وطويلة الأمد.

أما الإمارات، فواصلت تعزيز استثماراتها في الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة عبر مؤسساتها السيادية الكبرى، بالتوازي مع تعزيز مفهوم أمن الطاقة وحماية البنية التحتية الحيوية ومراكز البيانات، وسط قناعة متزايدة بأن التنويع الاقتصادي لم يعد منفصلاً عن الاعتبارات الأمنية.

كما عززت الحرب أهمية الممرات التجارية الجديدة، وفي مقدمتها مشروع الممر الاقتصادي الهندي – الشرق الأوسط – أوروبا، الذي بات يُنظر إليه كأداة استراتيجية لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز وتوسيع شبكات الربط التجاري بين آسيا وأوروبا عبر الخليج والشرق الأوسط.

وفي خضم هذه التحولات، بدأت سوريا تستعيد جزءاً من موقعها الاقتصادي والجغرافي بعد سنوات من العزلة. فقد ارتفع استخدام المجال الجوي السوري بشكل ملحوظ خلال الأشهر الماضية مع إعادة توجيه العديد من الرحلات الإقليمية، ما وفر إيرادات إضافية للخزينة السورية.

وتتجاوز أهمية سوريا الجانب الجوي، إذ تنظر بعض الدول الخليجية إليها بوصفها ممراً محتملاً يربط الخليج بتركيا وشرق المتوسط والأسواق الأوروبية، بالتوازي مع تصاعد الاهتمام الخليجي بقطاعات الطاقة والنقل والاتصالات والبنية التحتية داخل البلاد.

وشهدت الأشهر الأخيرة توقيع سلسلة تفاهمات ومشاريع استثمارية خليجية في السوق السورية، وسط رهان متزايد على أن تتحول سوريا تدريجياً من ساحة نزاعات إقليمية إلى منصة اقتصادية ولوجستية ضمن خرائط التجارة الجديدة التي بدأت تتشكل بعد الحرب.

ومع ذلك، تبقى قدرة دمشق على الاستفادة من هذه الفرصة مرتبطة بمدى نجاحها في تحسين البيئة الاستثمارية وتعزيز الاستقرار الأمني والمؤسساتي، بما يسمح بتحويل الاهتمام الإقليمي المتزايد إلى استثمارات فعلية ومشاريع مستدامة على الأرض.