في الوقت الذي يشهد فيه الشرق الأوسط مرحلة دقيقة من التوتر المتصاعد بين إيران وإسرائيل، كثفت موسكو تحركاتها الدبلوماسية، محاولة إعادة رسم خطوط التهدئة، وإبراز نفسها كلاعب دولي فاعل قادر على إدارة أزمات حساسة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية. هذه المبادرة الروسية، التي تتزامن مع تراجع المخاوف من ضربة أميركية وشيكة، تُطرح في سياق سياسي معقد، إذ تهدف موسكو إلى حماية حلفائها الاستراتيجيين، خصوصاً في طهران، التي أرسلت طائرات مسيرة إلى أوكرانيا مؤخراً، في مؤشر على تقارب عسكري غير مسبوق، لكن في الوقت نفسه تسعى روسيا إلى تعزيز دورها الدولي بعد حربها على أوكرانيا، مستثمرة في نفوذها الدبلوماسي لإظهار قدرتها على الوساطة وحماية الاستقرار الإقليمي.

وأعلن الكرملين أن الرئيس فلاديمير بوتين أجرى أمس اتصالين هاتفيين منفصلين مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مؤكداً استعداد موسكو لمواصلة دور الوساطة، والعمل على تبادل المعلومات وتكثيف المساعي الدبلوماسية لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مباشرة. ويتضح من هذه التحركات أن موسكو تراهن على نفوذها لدى الطرفين، مع السعي لتحقيق توازن بين حماية مصالح حلفائها الاستراتيجيين، والحفاظ على صورتها كوسيط دولي قادر على ضبط أزمات المنطقة.

تأتي هذه التحركات الروسية بالتوازي مع استمرار صرامة الإجراءات الأمنية في إيران، حيث كثفت السلطات من عمليات المراقبة ومنع التجمعات، في محاولة لوقف موجة الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت منذ أواخر ديسمبر، والتي دفعت البيت الأبيض للتهديد باستجابة أميركية صارمة حال استمرار عمليات القمع. ويعكس ذلك استمرارية سياسة الردع الأميركية، التي تبقي كل الخيارات مفتوحة، رغم إعلان الرئيس ترامب الجمعة عن تأجيل أي ضربة عسكرية، بعد إلغاء السلطات الإيرانية عمليات الإعدام بحق أكثر من 800 متظاهر.

في السياق نفسه، وصل مدير جهاز الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع إلى واشنطن لإجراء محادثات مع المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف، في خطوة تشير إلى تكثيف التنسيق الأمني والاستخباراتي بين تل أبيب وواشنطن، مع استعراض سيناريوهات محتملة لأي تصعيد إيراني، رغم تراجع حدّة القلق النسبي بعد قرارات إيران الأخيرة المتعلقة بالمحتجين.

المحللون يشيرون إلى أن الدور الروسي في هذه المرحلة ليس مجرد وساطة بروتوكولية، بل محاولة موسكو لإعادة التأكيد على قدرتها في إدارة الأزمات الإقليمية، واستثمار النفوذ الإيراني بعد تجاربها في سوريا وأوكرانيا، واستثمار شبكة تحالفاتها لإعادة صياغة المعادلات الدبلوماسية في المنطقة، في حين يظل التهديد الأميركي قائماً كعنصر ضغط حاسم على طهران، يوازن بين احتمالات خفض التصعيد واستمرار الضغوط الاستراتيجية.

في المحصلة، يبدو المشهد الإقليمي هذه الأيام وكأنه مزيج من التهديدات المزدوجة: من جهة، الضغوط الأميركية على إيران، ومن جهة أخرى، المبادرات الروسية لاستعادة النفوذ الدبلوماسي، بينما تتواصل طهران في سياسة "الردع الرمزي"، محافظاً على نفوذها العسكري من خلال تحركات الطائرات المسيرة، ومكافحة الاحتجاجات داخلياً، ما يجعل منطقة الشرق الأوسط أمام اختبار دقيق لإمكانية ضبط التوتر دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.