في لحظة بدت فيها المنطقة على شفا مواجهة عسكرية مفتوحة، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليعلن إلغاء ضربة عسكرية كانت وشيكة ضد إيران، في قرار أعاد خلط الأوراق الإقليمية، وطرح تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت طهران قد التقطت رسالة التحذير في اللحظة الأخيرة، أم أنها اشترت وقتًا إضافيًا تحت ضغط غير مسبوق.

ترامب شدد، في تصريحات مساء الجمعة، على أن قراره جاء بمبادرة شخصية، نافياً أي ضغوط خارجية، ومشيرًا إلى أن تعليق السلطات الإيرانية تنفيذ أكثر من 800 حكم إعدام كان العامل الحاسم في تراجعه عن الخيار العسكري. خطوة وصفها بأنها “مؤثرة جدًا”، في إشارة واضحة إلى أن سلوك النظام الإيراني تجاه الاحتجاجات الداخلية بات جزءًا مباشرًا من معادلة الأمن الإقليمي، وليس مجرد شأن داخلي كما تحاول طهران تسويقه.

هذا التطور جاء في سياق تصعيد متدرج، تخللته تهديدات أميركية صريحة، وتحركات عسكرية لافتة، شملت نشر مدمرات وغواصات وحاملات طائرات في الشرق الأوسط، بالتوازي مع تسريبات عن خيارات عسكرية عُرضت على ترامب، شملت ضرب البرنامج النووي الإيراني، ومواقع الصواريخ، وصولًا إلى هجمات إلكترونية تستهدف أجهزة الأمن الداخلي المتهمة بقمع المتظاهرين.

وبحسب مصادر أميركية، فإن تعليق الإعدامات لم يُنظر إليه في واشنطن كتحول استراتيجي، بل كإجراء تكتيكي فرضته الضغوط، في ظل اتساع رقعة الاحتجاجات داخل إيران، واستمرار التقارير عن سقوط آلاف القتلى، وانقطاع واسع للإنترنت، ومحاولات لعزل الشارع الإيراني عن العالم الخارجي.

وفي هذا الإطار، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طلب من ترامب، خلال اتصال هاتفي، تأجيل أي ضربة محتملة، وسط قناعة متنامية في تل أبيب بأن النظام الإيراني يعيش إحدى أكثر لحظاته هشاشة داخليًا، وأن أي ضربة واسعة قد تدفعه إلى رد غير محسوب إقليميًا.

ورغم قرار الإلغاء، لم تُغلق واشنطن الباب أمام الخيار العسكري. البيت الأبيض أكد أن “جميع الخيارات لا تزال مطروحة”، وأن القرار النهائي سيُبنى على كيفية تعامل الأجهزة الأمنية الإيرانية مع الاحتجاجات الجارية. وهو ما يعكس تحوّلًا لافتًا في المقاربة الأميركية، حيث باتت شرعية السلوك الداخلي للنظام الإيراني جزءًا من معادلة الردع والضغط.

في المقابل، تواصل طهران خطابها التقليدي، محمّلة “أطرافًا خارجية” مسؤولية الاضطرابات، في وقت تتكثف فيه تحركاتها الدبلوماسية مع دول الخليج وتركيا، وزيارات لافتة لمسؤولين إيرانيين إلى بيروت وعواصم أخرى، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاقه إلى مواجهة شاملة.

ويرى مراقبون أن تعليق الإعدامات، وإن شكّل عامل تهدئة مؤقت، إلا أنه لا يعالج جوهر الأزمة، المتمثل في أزمة شرعية داخلية عميقة، وتآكل قدرة النظام على ضبط الشارع بالقوة وحدها، في ظل بيئة إقليمية معقدة، وحلفاء باتوا أضعف بفعل الحروب في لبنان وغزة واليمن.

 

وبين ضربة أُلغيت وضغط لم يتوقف، تبقى إيران أمام اختبار مفتوح: إما قراءة الرسائل الدولية والانخراط في مسار تهدئة حقيقي، أو الاستمرار في إدارة الأزمة بالإنكار، على أمل أن يكون الوقت كافيًا لتفادي الأسوأ… مؤقتًا فقط.