في ظل تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وبينما تتأرجح المنطقة على حافة سيناريوهات تصعيد محتملة، تتجه الأنظار إلى بغداد، حيث يزور وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين العاصمة الإيرانية غداً الأحد، في خطوة تحمل أكثر من مجرد طابع دبلوماسي روتيني. الزيارة، التي تستمر يوماً واحداً، تبدو في ظاهرها مخصصة لبحث ملفات الأمن الإقليمي والعلاقات الثنائية، لكنها في حقيقتها تشكل محاولة عراقية لتثبيت دور الوسيط في لحظة حاسمة من التوترات الإقليمية، بعد موجة الاحتجاجات الإيرانية التي فُقد فيها آلاف الأرواح، وتصاعدت معها الانتقادات الدولية، بما في ذلك تهديدات أميركية مباشرة، وتحذيرات من تدخل عسكري محتمل.

ويشير مصدر سياسي مطلع إلى أن جدول الأعمال يركز على محاولة احتواء الموقف بين واشنطن وطهران، وتفعيل الدور العراقي في استضافة مفاوضات مباشرة، اقتراح سبق أن طرحه رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني في نهاية 2025، في محاولة لاستثمار النفوذ العراقي كجسر تواصل بين الجانبين، في ظل فشل الجهود الدبلوماسية التقليدية في كبح التوترات. كما تشمل المباحثات تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي بين بغداد وطهران، وهو ما يشير إلى أن العراق يحاول أن يوازن بين التزامه بالعلاقات مع جاره الإيراني، وضغوط واشنطن على المنطقة، في مشهد معقد يتجاوز مجرد الحوار الثنائي.

وعلى الصعيد الإيراني، تأتي الزيارة بعد إعلان وزارة الخارجية الإيرانية عن ترحيبها بالوساطة العراقية، في وقت تستمر فيه السلطات الإيرانية في تشديد إجراءاتها الأمنية داخل البلاد لمنع تجدد الاحتجاجات التي انطلقت منذ أواخر ديسمبر، والتي تحولت تدريجياً من مطالب اقتصادية إلى مطالب سياسية واسعة النطاق. وتعكس هذه الإجراءات، جنباً إلى جنب مع التهديدات الأميركية المباشرة والضغوط الغربية على طهران، محاولة النظام الإيراني إظهار السيطرة على الوضع الداخلي، في حين تظل علاقاته الدولية على صفيح ساخن.

وتحمل هذه الزيارة دلالات استراتيجية أوسع، إذ تبرز العراق ليس فقط كوسيط محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، بل كعنصر استقرار محتمل في معادلات الإقليم، في وقت يحاول فيه النظام الإيراني حماية نفسه من الضغوط الخارجية، واحتواء موجة الغضب الداخلي، في حين تبقى واشنطن مهيأة لكافة السيناريوهات، بما فيها التحركات العسكرية الجزئية أو الضغط الاقتصادي المكثف، ما يجعل بغداد في قلب لعبة دقيقة بين القوى الإقليمية والدولية، حيث تصبح أي خطوة غير محسوبة ذات تأثير محتمل على مسار التوترات الإقليمية.

 

وتشير التحليلات السياسية إلى أن الزيارة العراقية، رغم صغر مدتها، قد تكون اختباراً لقدرة بغداد على فرض نفسها كلاعب استراتيجي في الشرق الأوسط، في زمن تُعيد فيه ملفات الأمن والاحتجاجات والتوتر الأميركي – الإيراني ترتيب أولويات القوى الكبرى، وتعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة.