في ذروة التصعيد السياسي والإعلامي بين طهران وواشنطن، خرج المرشد الإيراني علي خامنئي بخطابٍ عالي النبرة، حمّل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسؤولية مباشرة عمّا آلت إليه الاحتجاجات الأخيرة في البلاد، سواء من حيث الخسائر البشرية أو الأضرار المادية، أو ما وصفه بـ«تشويه صورة الإيرانيين أمام العالم»، في اتهام يعكس انتقال المواجهة من مستوى الرسائل الدبلوماسية المبطّنة إلى تبادل صريح للاتهامات على أعلى هرم السلطة.
وقال خامنئي، في كلمة ألقاها السبت، إن بلاده «تعتبر الرئيس الأميركي مجرمًا»، معتبرًا أن التحريض الأميركي لم يعد مجرد مواقف سياسية، بل بات ـ وفق تعبيره ـ عاملًا مؤثرًا في مسار الأحداث الداخلية، ومحرّكًا مباشرًا للعنف والفوضى. وذهب أبعد من ذلك، حين هاجم ما وصفه بـ«الافتراءات» التي وجّهها ترامب إلى الشعب الإيراني، في إشارة إلى خطابه الداعم للاحتجاجات، والداعي إلى «السيطرة على مؤسسات الدولة».
وتتقاطع تصريحات خامنئي مع لهجة أكثر حدّة صدرت في الأيام الماضية عن شخصيات محسوبة على دوائر القرار في طهران، إذ كان مستشار للمرشد قد كتب، الأسبوع الماضي، على منصة «إكس»، أن «القاتل الأول للشعب الإيراني هو ترامب، والثاني نتنياهو»، تعليقًا على رسائل وجّهها الرئيس الأميركي للمحتجين دعاهم فيها إلى مواصلة التظاهر و«حفظ أسماء القتلة والمعتدين»، وهو ما اعتبرته طهران تحريضًا علنيًا غير مسبوق.
ويرى مراقبون أن القيادة الإيرانية تحاول، عبر هذا التصعيد الخطابي، إعادة تأطير الاحتجاجات ضمن سردية «التدخل الخارجي»، لا سيما بعد أن اكتسبت التظاهرات زخمًا سياسيًا تجاوز المطالب المعيشية التي انطلقت منها أواخر ديسمبر الماضي، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وتراجع حاد في قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم.
خامنئي نفسه أشار إلى أن «التحريض الأخير مختلف عن سابقاته»، بسبب ضلوع الرئيس الأميركي «شخصيًا» فيه، في تلميح إلى أن واشنطن انتقلت، بنظر طهران، من موقع الداعم السياسي إلى لاعب مباشر في محاولة التأثير على الداخل الإيراني.
ويأتي هذا السجال في سياق إقليمي بالغ الحساسية، بعدما لوّح ترامب مرارًا بالخيار العسكري ضد إيران، وأمر بتحريك حاملات طائرات ومدمرات إلى الشرق الأوسط، وسط تأكيدات متكررة من البيت الأبيض بأن «جميع الخيارات لا تزال مطروحة». غير أن نبرة التصعيد الأميركية شهدت تراجعًا نسبيًا في اليومين الماضيين، عقب إعلان ترامب شكره للقيادة الإيرانية على ما قال إنه «وقف لتنفيذ إعدامات بحق المتظاهرين»، وهي رواية لم تؤكدها طهران رسميًا.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد نفى، في مقابلة سابقة، وجود أي نية لتنفيذ إعدامات بحق المحتجين الموقوفين، في محاولة لاحتواء الضغوط الدولية المتزايدة، خصوصًا مع تصاعد الانتقادات الغربية، واستدعاء عدد من السفراء الإيرانيين في عواصم أوروبية على خلفية قمع الاحتجاجات.
وبينما تصرّ السلطات الإيرانية على اتهام الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف الاضطرابات، يرى محللون أن حدّة الخطاب الصادر عن خامنئي تعكس قلقًا مضمرًا من تحوّل الاحتجاجات إلى أزمة شرعية أعمق، لا سيما مع استمرار الضغوط الاقتصادية، وتآكل قنوات التهدئة الداخلية، وتزايد العزلة الدولية.
في المحصلة، تبدو طهران وواشنطن عالقتين في حلقة تصعيد كلامي محسوب، تتراجع فيها لغة الدبلوماسية أمام منطق الرسائل الخشنة. ومع أن الخيار العسكري لا يزال، نظريًا، مطروحًا على الطاولة الأميركية، إلا أن المشهد الراهن يوحي بأن المواجهة، في هذه المرحلة، تُدار بالكلمات الثقيلة… لا بالصواريخ، على الأقل حتى إشعار آخر.