في الوقت الذي تسجّل فيه الحكومة اللبنانية تقدماً في عدد من الملفات الأساسية، من البنى التحتية والرقمنة إلى المرافئ والمطارات والطاقة، وتسعى إلى إشراك القطاع الخاص وجذب الاستثمارات وزيادة إيرادات الدولة، يبدو أن قطاع الاتصالات يسير بعكس هذا الاتجاه.
والمفارقة أن الاتصالات يفترض أن تكون من أسرع القطاعات قدرةً على جذب الاستثمار وتحسين إيرادات الخزينة، بدل اللجوء المستمر إلى زيادة الضرائب والرسوم على المواطنين.
الحكومة أعطت توجهاً واضحاً لإعادة إشراك مشغّلين دوليين في إدارة شبكتي الخليوي، بهدف تحسين الخدمة، وضخ الاستثمارات، ورفع كفاءة القطاع وإيراداته.
لكن بدلاً من تسريع التنفيذ، أعلنت الهيئة المنظمة للاتصالات إلغاء عملية شراء الخدمات الاستشارية التي أُطلقت لإعداد دفتر شروط مناقصة إدارة وتشغيل ألفا وتاتش، مبررةً القرار بعدم توافر الاعتمادات المالية الكافية.
وهنا تبرز مسؤولية قيادة قطاع الاتصالات ووزير الاتصالات تحديداً.
كيف يمكن إطلاق مسار إصلاحي بهذا الحجم من دون تأمين الاعتمادات اللازمة لاستكمال أولى مراحله؟ وكيف يمكن للحكومة أن تحقق تقدماً في ملفات أكثر تعقيداً، بينما لا تزال وزارة الاتصالات عاجزة عن الانتقال من قرار إصلاح القطاع إلى دفتر شروط ومناقصة فعلية؟
المقارنة مع سوريا تزيد علامات الاستفهام. ففي 4 آذار 2026 أطلقت سوريا مناقصة دولية لمشغّل خلوي جديد، وخلال أشهر قليلة أُنجزت العملية وتم اختيار مشغّل دولي. وبلغت قيمة الاستثمارات متوقعة تتجاوز 1.5 مليار دولار.
فإذا كان بالإمكان إنجاز عملية بهذا الحجم خلال أشهر في سوق يواجه تحديات استثنائية، فما الذي يمنع لبنان من التحرك بالسرعة نفسها؟
المشكلة اليوم لم تعد في الرؤية الحكومية. التوجه نحو الإصلاح والاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص أصبح واضحاً على مستوى مجلس الوزراء.
المشكلة أصبحت في التنفيذ داخل قطاع الاتصالات.
ومن هنا، على وزير الاتصالات أن يجيب بوضوح:
متى سيُعاد إطلاق المسار؟ متى سيصدر دفتر الشروط؟ وما هو الجدول الزمني الفعلي لاستقدام مشغّلين دوليين؟
في الوقت الذي تطلب فيه الدولة من اللبنانيين تحمّل المزيد لمعالجة العجز، لا يمكن القبول بتعطيل قطاع قادر على جذب رأس المال، تحسين الخدمة، وزيادة إيرادات الدولة.
الحكومة تتحرك في قطاعات عديدة. والسؤال اليوم: لماذا لا تتحرك وزارة الاتصالات بالسرعة نفسها؟