يشهد النظام الغذائي والتغذية في الولايات المتحدة تحولاً ملحوظاً، مدفوعاً جزئياً بالهرم الغذائي المُعاد تصميمه حديثاً من قبل وزارتَي الزراعة والصحة والخدمات الإنسانية الأميركيتين، إلى جانب الارتفاع المتزايد في نسبة السكان الذين يتناولون أدوية GLP-1. وقد وضعت هذه العوامل الطلب في صدارة المشهد، في تحول واضح عن العقود الماضية التي كانت فيها الأسواق الزراعية خاضعة بشكل أساسي لعوامل العرض.
فهرس المحتوى [إظهار]
تحول غذائي مع انتشار أدوية GLP-1
لخّص الكاتب والناشط الغذائي مايكل بولان فلسفته الغذائية في كتابه الصادر عام 2008 بعنوان «دفاعاً عن الطعام» بالعبارة التالية: «تناول الطعام، ولكن ليس بكثرة، ومعظمه من النباتات». وبعد 18 عاماً، عاد بولان ليعلّق بسخرية على الإرشادات الغذائية الجديدة الصادرة عن وزارتَي الزراعة والصحة الأميركيتين، قائلاً بصيغة ساخرة: «تناول الطعام، وربما ليس بكثرة، ومعظمه من اللحوم».
وتتشابه العديد من التوصيات الجديدة مع أفكار الحركات الغذائية القديمة التي كان يدعو إليها بولان وطهاة معروفون مثل أليس ووترز ومولي كاتزن، ولا سيما ما يتعلق بالتحكم في الحصص الغذائية والتركيز على الأطعمة الكاملة قليلة المعالجة. إلا أن الهرم الغذائي الجديد يروّج للبروتين الحيواني، خصوصاً المنتجات البقرية مثل لحم البقر ومشتقات الألبان وحتى الشحم الحيواني، بصورة غير مسبوقة. ورغم أن الإرشادات تؤكد أهمية تناول الفواكه والخضروات الطازجة يومياً، فإن هذه التوصية تأتي بعد التشديد على البروتين الحيواني.
وأصبح الطلب اليوم محوراً أساسياً في الأسواق الزراعية الأميركية، في تحول واضح عن السردية السابقة التي ركزت لعقود تقريباً على جانب العرض فقط. وتزامنت هذه الإرشادات الجديدة مع عامل آخر غيّر المشهد الغذائي الأميركي، وهو الانتشار المتزايد لأدوية GLP-1. ووفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «غالوب»، فإن أكثر من 12% من الأميركيين استخدموا هذه الأدوية بحلول أواخر عام 2025. وتُعرف هذه الفئة من العقاقير بقدرتها على المساعدة في فقدان الوزن عبر زيادة الشعور بالشبع وتقليل استهلاك السعرات الحرارية.
ويشير مستخدمو هذه الأدوية إلى أنهم باتوا يفضّلون الأطعمة الأعلى قيمة غذائية والغنية بالبروتين، على حساب السكريات والنشويات. ويرى الباحثون أن هذا التغير يعكس آلية طبيعية لدى الجسم للتعامل مع انخفاض السعرات الحرارية، إذ يصبح من الضروري أن تكون كل سعرة حرارية أكثر فائدة غذائية. ونظراً لضخامة النظام الغذائي الأميركي، فإن التغيرات الغذائية لا تنعكس دائماً بوضوح في البيانات الوطنية. إلا أن التحول الحالي نحو البروتين كان عميقاً بما يكفي ليؤثر على إحصاءات العرض الوطنية. وأصبح الطلب عاملاً مركزياً في الأسواق الزراعية الأميركية، بعد أن كانت هذه الأسواق تُدار سابقاً وفقاً لعوامل العرض، فيما كان الطلب يتحرك ببطء شديد أو استجابةً للعرض فقط.
كما انعكس الاستخدام المتزايد لأدوية GLP-1 على البيانات الصحية الوطنية، إذ يُنظر إليها على نطاق واسع كأحد أسباب تراجع معدلات السمنة. فقد انخفض متوسط معدل السمنة بين البالغين الأميركيين إلى 37% بعدما كان يقترب من 40% قبل ثلاث سنوات، وفقاً لمؤشر «غالوب» للصحة والرفاه.
استمرار الإقبال الأميركي على لحوم البقر رغم التحديات
رغم ارتفاع أسعار لحوم البقر، فإن الطلب المحلي عليها يواصل الارتفاع. ولتوضيح حجم الزيادة، فإن نسبة ارتفاع أسعار لحوم البقر منذ عام 2000 حتى اليوم تعادل تقريباً الارتفاع الذي شهدته أسعار البيض خلال أزمة إنفلونزا الطيور في أوائل عام 2025، وفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي.
وفي المقابل، تواجه لحوم البقر تحديات تتعلق بالصورة الصحية، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن الإفراط في تناول اللحوم الحمراء قد يؤثر سلباً على طول العمر. كما أن إنتاجها يستهلك موارد أكبر مقارنة بمصادر البروتين الأخرى، سواء من حيث المياه أو الأراضي أو الأعلاف، ما يجعلها مرتبطة بانبعاثات غازات دفيئة أعلى بكثير.
وفي ما يتعلق بارتفاع الأسعار الحالي، قال كبير الاقتصاديين في وزارة الزراعة الأميركية جاستن بينافيديز خلال المنتدى الزراعي السنوي للوزارة: «نحن نعيش دورة ماشية تقليدية». وتعود نظرية «دورة الماشية» إلى أواخر القرن التاسع عشر، وهي تفسّر التغيرات الدورية في أعداد الأبقار داخل الولايات المتحدة.
وقد استمرت كل دورة سابقة بين 10 و14 عاماً، ومع دخول الدورة الحالية عامها الثاني عشر، لا تزال صناعة الأبقار الأميركية في مرحلة الانكماش، التي تتميز بارتفاع أسعار الماشية واللحوم وانخفاض أعداد القطعان. ويترقب القطاع بدء مرحلة توسع جديدة للقطعان، عبر ما يُعرف بـ«الاحتفاظ بالعجلات الأنثوية»، وهو ما قد يخفف الأسعار. إلا أن الظروف المناخية هذا العام قد تعرقل بدء دورة جديدة، خصوصاً مع توقعات الجفاف في الغرب الأميركي وشمال منطقة تكساس بانهاندل، ما يزيد المخاوف من موسم حرائق خطير.
ورغم تراجع أعداد الأبقار بنحو 35% مقارنة بذروتها عام 1975، فإن التطورات في علم الوراثة والأعلاف سمحت بإنتاج كميات أكبر من اللحوم من كل حيوان وخلال فترة أقصر. ونتيجة لذلك، لم ينخفض إجمالي إنتاج اللحوم بالمقدار نفسه الذي تراجعت فيه أعداد القطعان.
لكن في السنوات الأخيرة، تجاوز الاستهلاك المحلي من لحوم البقر والعجل حجم الإنتاج المحلي بمستويات لم تُسجل منذ منتصف العقد الأول من الألفية، ما أدى إلى زيادة الواردات. ومع تزايد حالة عدم اليقين في سوق الماشية، اتجه عدد أكبر من المشاركين في السوق إلى أسواق العقود الآجلة لإدارة المخاطر. وقد ارتفعت أسعار العقود الآجلة للماشية الحية وماشية التسمين منذ منتصف عام 2020، وسُجلت مستويات قياسية لماشية التسمين في أكتوبر 2025، قبل أن تبلغ عقود الماشية الحية ذروتها في فبراير 2026.
اتساع “فطيرة” اللحوم
في علم الاقتصاد، يُفترض عادةً أن ارتفاع سعر سلعة معينة يدفع المستهلكين إلى استبدالها بسلعة مشابهة أقل تكلفة. وفي حالة البروتين الحيواني، كان من المتوقع أن يؤدي ارتفاع أسعار لحوم البقر إلى زيادة استهلاك الدجاج أو لحم الخنزير. إلا أن ما حدث فعلياً هو اتساع حجم سوق اللحوم بالكامل. فالتفضيل الحالي للبروتين يبدو امتداداً لتحولات غذائية بدأت منذ عقود.
ومنذ موسم التسويق لعام 2020، ارتفع إجمالي استهلاك الأميركيين من لحوم البقر والعجل بنسبة 5.3% حتى اليوم، رغم تراجع أعداد القطعان. كما ارتفع استهلاك لحوم الخنزير والدجاج مجتمعَين بأكثر من 7%، ما يعكس نمواً في استهلاك اللحوم للفرد عبر مختلف الأنواع.
وفي المقابل، تراجعت بعض المؤشرات المرتبطة بالكربوهيدرات، مثل استهلاك القمح. فقد انخفض استهلاك القمح للفرد داخل الولايات المتحدة بنسبة 1% منذ عام 2020، وبنسبة 30% مقارنة بعام 2000، مع استبدال جزء بسيط منه بالأرز الذي ارتفع استهلاكه للفرد بنسبة 21% خلال الفترة نفسها. وتعكس هذه البيانات التحول الأوسع نحو نظام غذائي يعتمد أكثر على البروتين الحيواني خلال القرن الحادي والعشرين.
ومن المهم الإشارة إلى أن أسواق الذرة وفول الصويا في الولايات المتحدة تتأثر أساساً بعوامل أخرى غير الطلب الغذائي المباشر، إذ إن نسبة صغيرة فقط من هذه المحاصيل تُستهلك مباشرة من البشر. وتُستخدم الذرة وفول الصويا غالباً كأعلاف للحيوانات أو كمواد أولية لإنتاج الوقود الحيوي للاستهلاك المحلي والتصدير.
تعافٍ غير متكافئ
لكن التحول نحو نظام غذائي يعتمد أكثر على البروتين الحيواني ليس رخيصاً. وبينما يتجه الأميركيون عموماً نحو استهلاك البروتين، لا يمتلك جميعهم القدرة المالية على تحمل ارتفاع تكاليف الغذاء.وقد أشار اقتصاديون إلى ما يُعرف بـ«التعافي على شكل حرف K» بعد أزمات القرن الحادي والعشرين، حيث تشهد الفئات الأكثر ثراءً مزيداً من الازدهار، بينما تستمر شرائح واسعة من السكان في مواجهة صعوبات اقتصادية. ورغم تزايد استخدام أدوية GLP-1، فإن أسعار هذه العقاقير لا تزال مرتفعة جداً حتى مع وجود التأمين الصحي، ما يجعلها متاحة بشكل أساسي للفئات الأكثر قدرة مالياً.
وفي هذا السياق، لاحظت وزارة الزراعة الأميركية أن معدلات السمنة الوطنية انخفضت، لكنها ارتفعت في المناطق الريفية، مشيرة إلى أن سكان الأرياف يعانون معدلات فقر أعلى مقارنة بسكان المدن.
نظرة إلى المستقبل
ومع استمرار تطور المشهد الغذائي والزراعي الأميركي خلال عام 2026، يبدو أن هيمنة عوامل العرض التقليدية ستستمر في مواجهة قوى طلب متزايدة التأثير. فالتقاطع بين الإرشادات الغذائية الفيدرالية الجديدة وثورة أدوية GLP-1 عزّز التوجه الوطني المتنامي نحو البروتين على حساب النشويات، حتى مع ارتفاع الأسعار والتحديات البيئية. ورغم أن الإرشادات الغذائية الجديدة تتصدر النقاش حالياً، فإن البيانات تعكس صورة لنظام غذائي ومشهد زراعي أميركي يتغيران باستمرار مع تغير الزمن.
(الترجمة عن Wall Street Journal )