القائمة
09:28 17 حزيران 2026
خاص "كواليس"

شركة مطار بيروت الدولي... لماذا أثار تنفيذ قانون عمره 23 عاماً كل هذا الجدل؟

لبنان

لم يكن قرار مجلس الوزراء القاضي بإنشاء "شركة مؤسسة مطار بيروت الدولي" لإدارة وتشغيل واستثمار مطار رفيق الحريري الدولي قراراً عادياً بالنسبة للثنائي الشيعي. فمنذ اللحظة الأولى لإقراره، انطلقت حملة سياسية وإعلامية واسعة استهدفت الحكومة ورئيسها ووزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، وجرى تصوير الخطوة وكأنها انقلاب على القوانين أو محاولة للالتفاف على دور الهيئة العامة للطيران المدني أو حتى مقدمة لخصخصة المطار.

لكن بعيداً عن الشعارات السياسية والضجيج الإعلامي، يبدو أن جوهر المعركة مختلف تماماً. فالقضية لا تتعلق فقط بإدارة مرفق عام، بل بموقع لطالما شكّل أحد أبرز مراكز النفوذ للثنائي داخل الدولة اللبنانية.

قبل الخوض في خلفيات السجال، لا بد من التوقف عند طبيعة الشركة الجديدة ودورها. فقد وافق مجلس الوزراء على تأسيس شركة مساهمة مملوكة بالكامل للدولة اللبنانية تحمل اسم "مؤسسة مطار بيروت الدولي"، تتولى إدارة وتشغيل وتطوير واستثمار مرافق المطار. وتشمل مهامها تشغيل وصيانة منشآت المطار، وإدارة الخدمات والمرافق التجارية من الأسواق الحرة ومواقف السيارات إلى الخدمات الأرضية وتموين الطائرات والشحن والبريد، إضافة إلى تنظيم استثمار المساحات والمرافق داخل المطار واستيفاء الرسوم والبدلات المتعلقة بالخدمات المقدمة.

كما ستكون المؤسسة مسؤولة عن تطبيق معايير السلامة والأمن، وتأمين خدمات الإطفاء والإنقاذ والإسعافات الأولية، وإدارة خدمات الملاحة الجوية والمراقبة والاتصالات والرصد الجوي، بما يؤدي إلى توحيد مختلف الأنشطة والخدمات التي كانت تُدار سابقاً عبر عقود وترتيبات متفرقة ضمن إطار إداري وتشغيلي موحد.

غير أن أهمية القرار لا تكمن فقط في هذه المهام، بل في كونه تطبيقاً مباشراً لقانون إدارة قطاع الطيران المدني رقم 481 الصادر عام 2002. فالمادة 14 من القانون نصّت بوضوح على إنشاء شركة مساهمة مملوكة بالكامل للدولة اللبنانية تحمل اسم "شركة مؤسسة مطار بيروت الدولي"، ما يعني أن الاسم نفسه ليس اجتهاداً من الحكومة الحالية، بل نص قانوني موجود منذ أكثر من عقدين.

والأهم أن القانون قام منذ إقراره على فلسفة إصلاحية واضحة تقوم على الفصل بين التنظيم والرقابة من جهة، والتشغيل والاستثمار من جهة أخرى. فالمشرّع اللبناني رأى منذ عام 2002 أن إدارة قطاع الطيران المدني وفق المعايير الحديثة المعتمدة عالمياً تقتضي إنشاء هيئة مستقلة تتولى التنظيم والإشراف والرقابة، هي الهيئة العامة للطيران المدني، وفي المقابل إنشاء مؤسسة تتولى تجهيز المطار واستثماره وتشغيله.

وبالتالي، فإن الهيئة العامة للطيران المدني لا تُعنى بالتشغيل والاستثمار، بل بالتنظيم والإشراف والرقابة، فيما أوكل القانون هذه المهام إلى الشركة التي تنشئها الحكومة تحت اسم "شركة مؤسسة مطار بيروت الدولي". لذلك فإن الحديث عن مصادرة صلاحيات الهيئة أو تهميشها لا يستند إلى نصوص القانون، بل يتناقض مع الفلسفة التي قام عليها القانون نفسه.

أما ما أُثير حول خصخصة المطار أو التفريط بأملاك الدولة، فهو أيضاً يتجاهل نصوص القانون. فالشركة الجديدة مملوكة بالكامل للدولة اللبنانية، وأسهمها كافة تعود إلى الدولة. صحيح أن القانون يجيز مستقبلاً بيع جزء من الأسهم ضمن شروط محددة ووفق قانون الخصخصة، إلا أن ذلك يحتاج إلى قرارات وإجراءات مستقلة ولا علاقة له بالقرار الحالي الذي يكرّس الملكية العامة للمؤسسة.

لكن إذا كان القرار مجرد تنفيذ لنص قانوني عمره 23 عاماً، فلماذا كل هذا الغضب؟

فالمطار لم يكن خلال العقود الماضية مجرد مرفق عام، بل كان أيضاً أحد أبرز مواقع النفوذ للثنائي الشيعي داخل الدولة اللبنانية. ومن المعروف أن الثنائي تمتع على مدى سنوات طويلة بحضور وتأثير كبيرين داخل هذا المرفق الحيوي، سواء عبر التعيينات أو عبر الإمساك بمفاصل أساسية في الإدارة والقرار التشغيلي.

ولم يقتصر الأمر على النفوذ الإداري والسياسي فقط، بل امتد أيضاً إلى النفوذ المالي والتشغيلي داخل المطار. ففادي الحسن، الذي وصل إلى موقعه كمدير عام للطيران المدني بدعم مباشر من الثنائي الشيعي واستمر فيه بفضل الغطاء السياسي الذي وفره له، كان يمسك فعلياً بمفاصل أساسية داخل المطار. وعلى مدى سنوات، تولّى تسهيل العديد من القرارات والإجراءات التي سمحت للثنائي بالحفاظ على نفوذه داخل هذا المرفق الحيوي، ما أتاح له التحكم بمسارات إدارية وتشغيلية ومالية متعددة. ولذلك، لم يكن المطار بالنسبة للثنائي مجرد مرفق عام أو موقع نفوذ سياسي، بل تحوّل أيضاً إلى مصدر مالي مهم ومؤثر، من خلال السيطرة على مفاصل أساسية مرتبطة بالإدارة والتشغيل والاستثمار داخل هذا المرفق الحيوي.

 

ولهذا السبب، يرى كثير من المراقبين أن الحملة الحالية لا ترتبط فقط بالنقاش القانوني حول صلاحيات الهيئة العامة للطيران المدني أو حول طبيعة الشركة الجديدة، بل تعكس خشية سياسية من فقدان نفوذ تراكم على مدى سنوات طويلة داخل أحد أكثر المرافق حساسية في البلاد.

فالانتقال إلى إدارة مؤسساتية أكثر وضوحاً واستقلالية، تقوم على فصل الرقابة عن التشغيل، يعني عملياً الحد من قدرة أي فريق سياسي على التحكم المباشر بالمطار أو التعامل معه باعتباره مساحة نفوذ خاصة. ومن هنا يمكن فهم حجم الاعتراضات التي ظهرت فور صدور القرار.

وخلال السنوات الماضية، لم يغب مطار رفيق الحريري الدولي عن الجدل السياسي والإعلامي. فقد طُرحت مراراً أسئلة حول التعيينات وآليات الإدارة والصفقات والعقود التي أُبرمت داخله، كما وُجّهت اتهامات عديدة بشأن سوء الإدارة وغياب الرقابة والفساد في بعض الملفات. واليوم، مع بدء تنفيذ الإصلاحات التي نص عليها القانون منذ عام 2002، تعود هذه الملفات إلى الواجهة مجدداً.

لذلك، فإن المعركة الدائرة اليوم تتجاوز بكثير النقاش القانوني حول إنشاء شركة جديدة أو تفسير مادة من مواد القانون. إنها معركة تتعلق بمستقبل إدارة المطار، وبالجهة التي ستملك القدرة على التأثير في قراراته ومفاصله الحيوية خلال السنوات المقبلة.

واليوم، لا يبدو أن اعتراض الثنائي الشيعي مرتبط بإنشاء الشركة بحد ذاته، بقدر ما يرتبط بخسارة السيطرة على أحد أبرز مواقع النفوذ داخل الدولة. لذلك يحاول الثنائي استعادة الإمساك بالقرار من خلال الهيئة العامة للطيران المدني، التي يتولى رئاستها رئيس شيعي، عبر ممارسة مختلف أشكال الضغط للحفاظ على التأثير داخل المطار. أما "شركة مؤسسة مطار بيروت الدولي" التي نص عليها القانون منذ عام 2002، فستتولى الإدارة التشغيلية والاستثمارية للمطار من خلال موقع رئاسي سني سيكون عملياً خارج دائرة النفوذ التقليدية التي كانت قائمة طوال السنوات الماضية. ومن هنا يمكن فهم حجم الهجوم على القرار، لأن جوهر المعركة ليس قانونياً ولا إدارياً، بل يتعلق بمن يمسك فعلياً بقرار مطار رفيق الحريري الدولي في المرحلة المقبلة.

وفي المحصلة، فإن ما أقره مجلس الوزراء لا يشكل خروجاً عن القانون، بل تطبيقاً متأخراً لقانون نافذ منذ أكثر من عقدين. أما السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم فلا يتعلق بشرعية إنشاء الشركة، بل بقدرة الدولة على حماية هذا الإصلاح من المحاصصة السياسية التي عطلت تنفيذ القانون طوال 23 عاماً، وبإمكان تحويل مطار رفيق الحريري الدولي إلى مؤسسة حديثة تُدار وفق معايير الكفاءة والشفافية والمحاسبة، لا وفق موازين النفوذ وتقاسم الحصص التي أنهكت الدولة اللبنانية ومؤسساتها.