وسط هدنةٍ هشة لا تُشبه السلام، وغاراتٍ إسرائيلية لم تتوقف فعلياً على الجنوب، يدخل لبنان أخطر مراحل التفاوض منذ نهاية حرب تموز. فالمسألة لم تعد ترتبط فقط بوقف إطلاق النار أو تثبيت الحدود، بل باتت تتصل بمستقبل الدولة نفسها: دور الجيش، وحدود القرار السيادي، ومستقبل سلاح "حزب الله"، وشكل العلاقة التي تريد واشنطن وتل أبيب فرضها على لبنان في مرحلة ما بعد الحرب.
في المقابل، تبدو واشنطن وكأنها تدير مسارين متوازيين في المنطقة: الأول في لبنان تحت عنوان "إدارة الحرب ومنع الانفجار الكبير"، والثاني في سوريا تحت عنوان "إعادة إدماج الدولة الجديدة ضمن النظام الإقليمي". وبين المسارين، يتشكّل مشهد إقليمي مختلف بالكامل، عنوانه إعادة رسم خرائط النفوذ والأمن والاقتصاد في المشرق.
فهرس المحتوى [إظهار]
واشنطن تبحث عن ترتيب جديد
تمديد وقف إطلاق النار لخمسة وأربعين يوماً لم يكن خطوة تقنية، بل إشارة واضحة إلى أن المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية لم تفشل، وأن الإدارة الأميركية قررت منح المسار التفاوضي فرصة إضافية. فالجولة الثالثة التي عُقدت في واشنطن، وامتدت على يومين، كشفت انتقال النقاش من مجرد تثبيت التهدئة إلى وضع إطار سياسي ـ أمني متكامل لمسار طويل الأمد.
المسار الأمني سيُستكمل داخل وزارة الدفاع الأميركية في 29 أيار، فيما يتابع المسار السياسي اجتماعاته مطلع حزيران، في مؤشر إلى أن واشنطن تفصل بين الملفين لضمان استمرار التفاوض حتى مع استمرار الاشتباك الميداني جنوباً.
لكن ما يجري أبعد بكثير من مجرد "وقف نار". فالإسرائيليون دخلوا المفاوضات بسقف مرتفع: نزع سلاح "حزب الله"، ترتيبات أمنية مباشرة، توسيع صلاحيات الجيش اللبناني جنوباً، وإعادة صياغة المشهد الأمني عند حدودهم الشمالية. في المقابل، يحاول لبنان تثبيت أولوية الانسحاب الإسرائيلي ووقف الغارات والعودة إلى ما قبل الحرب، مع رفض الانزلاق إلى أي صيغة تطبيع سياسي مباشر.
المشكلة الأساسية أن ميزان القوى لا يعمل لصالح بيروت. فواشنطن تتعامل مع الملف بوصفه فرصة لإنتاج "نظام أمني جديد" جنوب لبنان، بينما ترى إسرائيل أن الحرب الحالية يجب أن تنتهي بتغيير جذري في قواعد الاشتباك، لا بمجرد هدنة مؤقتة.
إعلان النوايا... الطريق الطويل نحو التسوية
خلف البيانات المقتضبة، تدور مفاوضات أوسع تتعلق بما بات يُعرف داخل الأوساط الأميركية بـ"إعلان النوايا". الورقة التي يجري العمل عليها لا تتحدث فقط عن وقف النار، بل عن آليات تنسيق أمني، وإعادة انتشار الجيش اللبناني، ودور القوات الدولية، وترتيبات مراقبة دائمة، وصولاً إلى ملف ترسيم الحدود البرية والاقتصادية.
ووفق المعطيات المتداولة داخل دوائر التفاوض، فإن واشنطن تعمل على مقاربة تدريجية تقوم على أربع مراحل مترابطة:
1- تثبيت وقف النار
2- انسحاب إسرائيلي تدريجي
3- انتشار أوسع للجيش اللبناني
4- ثم الانتقال إلى مسار معالجة ملف السلاح غير الشرعي ضمن جدول زمني يمتد حتى نهاية عام 2026.
الأخطر في المقاربة الأميركية أنها تربط الأمن بالاقتصاد مباشرة. فإعادة الإعمار، والدعم الدولي، ومؤتمرات التمويل الخليجية والغربية، باتت تُطرح كجزء من سلّة سياسية ـ أمنية واحدة، ما يعني عملياً أن مستقبل الاقتصاد اللبناني سيصبح مرتبطاً بمسار التفاوض نفسه.
وفي هذا السياق، لا يبدو الحديث عن لقاء محتمل بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في واشنطن مجرد مساع سياسية، بل جزءاً من رؤية أميركية أوسع تسعى إلى نقل لبنان تدريجياً من مرحلة "إدارة النزاع" إلى مرحلة "التسوية السياسية الإقليمية".
حزب الله بين ضغط الداخل وحسابات الإقليم
في المقابل، يدرك "حزب الله" أن ما يُطرح لا يتعلق فقط بالجنوب، بل بموقعه داخل النظام اللبناني الجديد. لذلك جاء موقفه حاسماً برفض أي تفاوض مباشر أو مسار يؤدي إلى اتفاق سياسي مع إسرائيل.
لكن الحزب يدرك أيضاً أن البيئة الإقليمية تغيّرت. فالحرب المفتوحة تستنزف الجميع، وإيران نفسها دخلت مرحلة تفاوض معقدة مع واشنطن، فيما تبدو الأولوية الأميركية الحالية منع الانفجار الكبير لا الذهاب إلى مواجهة شاملة.
وفي هذا السياق، يصبح الجنوب اللبناني ساحة "إدارة توازنات" أكثر منه ساحة حسم عسكري. إسرائيل تضغط بالنار والمسيّرات والاغتيالات، لكنها تتجنب توسيع الحرب إلى بيروت والبقاع نتيجة ضغوط أميركية مباشرة على حكومة بنيامين نتنياهو.
في المقابل، يحاول الحزب الحفاظ على معادلة ردع فاشلة من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة، مع إدراكه أن أي انهيار كامل للمفاوضات سيعيد المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة.
العفو العام... وجه آخر لأزمة الدولة
داخلياً، لا يبدو ملف العفو العام منفصلاً عن المشهد الإقليمي. فالدولة اللبنانية تخوض معركة ثانية موازية: كيف تدير ملف السجون والاحتقان الطائفي والسياسي من دون انفجار داخلي جديد؟
الخلاف حول سقف العقوبات، والخشية من تحويل القانون إلى مادة شعبوية وطائفية، يعكسان أزمة أعمق تتعلق بقدرة النظام اللبناني على إنتاج حلول قانونية بعيداً عن منطق المقايضات السياسية. ولذلك، تبدو معركة العفو وكأنها صورة مصغرة عن أزمة الدولة نفسها.
سوريا... من ساحة حرب إلى مختبر إقليمي
في الجهة المقابلة من المشهد، تتحرك سوريا بسرعة مختلفة تماماً. فالتصريحات الأخيرة للمبعوث الأميركي إلى دمشق توم باراك لم تكن عابرة، بل عكست انتقال المقاربة الأميركية من سياسة الاحتواء والعقوبات إلى سياسة الاستثمار السياسي في النظام السوري الجديد.
حديث باراك عن سوريا بوصفها "مختبراً لتحالف إقليمي جديد" يكشف أن واشنطن ترى في دمشق الجديدة فرصة لإعادة تشكيل التوازنات في المنطقة، خصوصاً بعد التفاهمات الإقليمية التي رعتها السعودية وتركيا وقطر خلال العام الأخير.
الأهم أن الإدارة الأميركية لم تعد تتحدث فقط عن "استقرار سوريا"، بل عن دمجها تدريجياً ضمن منظومة اقتصادية وأمنية إقليمية جديدة. لذلك حضرت ملفات الاستثمار والطاقة وإعادة الإعمار بقوة خلال لقاء باراك بالرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني في دمشق.
وفي موازاة ذلك، جاء كلام قائد القيادة المركزية الأميركية حول ارتباط استقرار سوريا بالأمن الأميركي ليؤكد أن واشنطن باتت تعتبر الساحة السورية جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي الجديدة، لا مجرد ملف مكافحة إرهاب أو إدارة فوضى.
المنطقة تدخل مرحلة إعادة التموضع
ما يجري في لبنان وسوريا ليس عبارة عن مسارين منفصلين، بل إعادة ترتيب شاملة للمنطقة. في لبنان، تحاول واشنطن إنتاج نظام أمني يمنع الحرب ويضبط الحدود ويعيد تعريف دور الدولة. وفي سوريا، تعمل على دعم سلطة جديدة تراها قادرة على الانخراط في تحالفات إقليمية مختلفة.
لكن بين المسارين فارق جوهري: سوريا تتحرك نحو إعادة إنتاج السلطة المركزية بدعم إقليمي ودولي متصاعد، فيما لا يزال لبنان غارقاً في أزمة نظام وهوية وقرار.
ولهذا، تبدو بيروت اليوم وكأنها تفاوض على بقائها السياسي، لا فقط على وقف النار. أما دمشق، فتفاوض على موقعها في الشرق الأوسط الجديد. وبين المدينتين، تتحرك المنطقة كلها نحو مرحلة مختلفة، عنوانها: ما بعد الحرب الطويلة، وما بعد النظام الإقليمي القديم.