القائمة
10:51 11 أيار 2026

مانشيت | واشنطن تسعى الى مسار سياسي يتجاوز الـ 1701 واليونيفيل.. و"العفو العام" أداة للاحتواء أو الانفجار؟

لبنان

يدخل لبنان مرحلةً شديدة الحساسية والتعقيد، حيث تتداخل الحرب بالمفاوضات، ويتحوّل الجنوب تدريجياً إلى مساحة إعادة تشكيل أمني وسياسي، فيما تتقدّم واشنطن بخطوات متسارعة نحو فرض مقاربة جديدة للملف اللبناني، لا تقوم فقط على تثبيت وقف إطلاق النار، بل على إعادة رسم العلاقة بين الدولة والسلاح والحدود والقوات الدولية ومستقبل التوازنات الداخلية.

ففي الوقت الذي تستعدّ فيه وزارة الخارجية الأميركية لاستضافة الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية خلال الأيام المقبلة، لا تبدو إسرائيل معنيّة بتخفيف الضغط العسكري أو منح لبنان هدنة فعلية تسمح بالتفاوض في ظروف مستقرة، بل على العكس، تتعامل تل أبيب مع المفاوضات باعتبارها جزءاً من إدارة الحرب نفسها، وليس بديلاً عنها.

وهذا ما يفسّر استمرار الغارات الإسرائيلية اليومية على الجنوب والبقاع، وتوسيع بنك الأهداف ليشمل مناطق أبعد من الحدود التقليدية، بالتوازي مع استمرار “حزب الله” في استخدام المسيّرات والقصف المدفعي والهجمات الدقيقة ضد مواقع وآليات الجيش الإسرائيلي في الخيام ودير سريان ومحيطهما. 

وبحسب مصادر "كواليس"، فإنّ الإدارة الأميركية تنظر إلى الجولة المقبلة من المحادثات بوصفها محطة تأسيسية لمسار سياسي – أمني طويل، يتجاوز القرار 1701 أو مجرد تثبيت خطوط التماس جنوباً، نحو صياغة ترتيبات جديدة للجنوب اللبناني، عنوانها الأساسي تعزيز سلطة الدولة وربط أيّ إعادة إعمار أو دعم اقتصادي أو استقرار طويل الأمد بمسار واضح يتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية.

وتشير المصادر إلى أنّ واشنطن باتت أكثر وضوحاً في مقاربتها، إذ لم تعد تتعامل مع ملف الجنوب كملف حدودي أو تقني، بل كجزء من مشروع إقليمي أوسع مرتبط بالحرب مع إيران، وبإعادة ترتيب النفوذ في المنطقة بعد أشهر من التصعيد المفتوح. ولذلك، فإنّ اللغة الأميركية الحالية تتحدث بصورة مباشرة عن “اتفاق سلام وأمن شامل”، وعن ترتيبات تتناول السلاح وإعادة الإعمار والسيادة وإعادة الأسرى، وهو ما تعتبره بيروت محاولة واضحة لتحويل المفاوضات من إطار أمني إلى مسار سياسي كامل. 

في المقابل، تحاول الدولة اللبنانية، وخصوصاً رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، إبقاء سقف التفاوض ضمن الإطار الأمني والسيادي، والتركيز على أولوية وقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي ومنع تثبيت الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية، مع رفض أيّ انتقال مباشر نحو التطبيع السياسي أو اتفاق سلام شامل. وتقول مصادر "كواليس" إنّ رئيس الجمهورية جوزيف عون لا يزال يرفض فكرة عقد أيّ لقاء مباشر مع رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو، ويتمسّك بحصر أيّ تواصل بالرعاية الأميركية والقنوات التفاوضية القائمة، خشية انفجار داخلي واسع إذا شعر جزء كبير من اللبنانيين بأنّ البلاد تُدفع نحو تسوية سياسية كبرى تحت ضغط الحرب. 

الجنوب يدخل مرحلة “الحرب التقنية”

ميدانياً، تعكس التطورات العسكرية الجارية جنوباً أنّ المواجهة لم تعد محصورة بالقصف التقليدي أو الاشتباكات الحدودية، بل دخلت مرحلة سباق تقني وأمني مفتوح بين إسرائيل و”حزب الله”. فخلال الأيام الماضية، أدخل الجيش الإسرائيلي مئات من منظومات “Dagger”  الذكية إلى وحداته المنتشرة على الحدود اللبنانية، وهي منظومات متطورة مخصّصة لتحسين القدرة على إصابة المسيّرات والأهداف الجوية الصغيرة والمتحركة، خصوصاً في الليل وفي التضاريس المعقّدة. كما تستعد إسرائيل لتسلّم ذخائر أميركية متخصّصة بمواجهة المسيّرات، في مؤشر واضح إلى أنّ تل أبيب تعتبر هذا النوع من التهديدات التحدّي الأكثر إرباكاً لقواتها حالياً. 

وفي المقابل، يواصل “حزب الله” رفع وتيرة استخدام المسيّرات الانقضاضية والاستطلاعية، إلى جانب القصف المدفعي واستهداف الآليات والتحصينات العسكرية، في محاولة لإبقاء الجبهة مفتوحة واستنزاف القوات الإسرائيلية المنتشرة في الشمال. 

وتقول مصادر "كواليس" إنّ الحزب يتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها معركة “تثبيت قواعد اشتباك” أكثر منها معركة حسم، فيما تسعى إسرائيل إلى فرض واقع أمني جديد جنوب لبنان يسمح لها بفرض خطوط نفوذ ميدانية غير معلنة تحت عنوان “الأمن الحدودي”.

ما بعد “اليونيفيل” 

في موازاة الحرب والمفاوضات، يتحوّل ملفّ القوات الدولية العاملة في الجنوب إلى أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة. فمع اقتراب موعد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حول مستقبل تنفيذ القرار 1701 بعد انتهاء ولاية “اليونيفيل”، بدأت الكواليس الديبلوماسية تشهد نقاشات جدّية حول شكل الوجود الدولي المقبل جنوب لبنان، وصلاحياته، والجهات التي ستشرف عليه. 

وبحسب مصادر "كواليس"، فإنّ النقاشات لم تعد محصورة بتمديد تقني للقوة الدولية الحالية، بل تتناول إعادة صياغة كاملة للمشهد الأمني جنوباً. ومن بين الطروحات المتداولة: 

- الإبقاء على “اليونيفيل” بصيغة معدّلة

- تشكيل قوة أوروبية – آسيوية جديدة

- توسيع صلاحيات عناصر المنظمة الدولية لمراقبة اتفاقية الهدنة – " الأونتسو" (UNTSO)  لتتولى مهام اليونيفيل بعد انتهاء ولايتها. 

- الذهاب نحو ترتيبات ثنائية مع دول أوروبية معنية بالبقاء العسكري والأمني في شرق المتوسط، ولا سيّما فرنسا وإيطاليا وإسبانيا.

إلا أنّ العقدة الأساسية، بحسب المصادر، تبقى مرتبطة بالموقف الأميركي والإسرائيلي، خصوصاً أنّ واشنطن تتبنّى سياسة تقليص الإنفاق الدولي، فيما تضغط تل أبيب منذ أشهر لإنهاء الدور التقليدي لـ”اليونيفيل”، معتبرة أنّ القوة الدولية لم تعد قادرة على فرض الوقائع التي تريدها إسرائيل في الجنوب. وفي المقابل، تتمسّك باريس بالحفاظ على دورها داخل القرار 1701، انطلاقاً من كونها “حاملة قلم القرار” داخل مجلس الأمن، ومن اعتبارها أنّ خسارة الجنوب اللبناني تعني خسارة موقع استراتيجي أساسي لفرنسا في شرق المتوسط. 

العفو العام يعود في توقيت خطير

لكن وسط كل هذه الملفات، برز داخلياً ملفّ شديد الحساسية يعكس حجم القلق الرسمي من المرحلة المقبلة، وهو ملفّ العفو العام والموقوفين الإسلاميين، الذي عاد فجأة إلى الواجهة السياسية والأمنية في توقيت بالغ الدقة.

وفي هذا السياق، عقد رئيس الجمهورية اجتماعاً موسعاً في قصر بعبدا حضره وزير الدفاع ميشال منسّى وعدد من النواب، بينهم أشرف ريفي، سليم الصايغ، ميشال معوض، أحمد الخير، بلال عبدالله، وضاح الصادق، فراس حمدان وغادة أيوب، خُصّص لبحث اقتراح قانون العفو العام وتخفيف بعض العقوبات بشكل استثنائي، وسط تركيز أساسي على ملفّ الموقوفين الإسلاميين في السجون اللبنانية. 

وبحسب مصادر "كواليس"، فإنّ إعادة فتح هذا الملف في هذا التوقيت لا تنفصل عن القلق المتزايد داخل مؤسسات الدولة من احتمالات الانفجار الداخلي إذا دخل لبنان مرحلة تسويات كبرى تتعلق بالسلاح أو الحدود أو التفاوض مع إسرائيل.

وتقول المصادر إنّ بعض دوائر القرار تنظر إلى ملفّ العفو العام باعتباره جزءاً من “إدارة الاحتواء الداخلي”، ومحاولة لمنع استخدام ملفّ الموقوفين الإسلاميين أو البيئة السنيّة كأداة توتير سياسي وأمني خلال الأشهر المقبلة.

كما تشير المعطيات إلى وجود مخاوف رسمية من تداخل هذا الملف مع ملفات النزوح السوري والانقسام الطائفي والاحتقان المذهبي، خصوصاً في ظلّ تنامي الخطاب المتشدد داخل بعض البيئات السياسية والطائفية، بالتوازي مع توسّع الضغوط الإقليمية والدولية على لبنان. ولذلك، تتعامل الدولة بحذر شديد مع أيّ خطوة تتعلق بالعفو، في ظلّ خشية من انفجار اعتراضات مقابلة داخل الشارع المسيحي أو الشيعي أو داخل الأجهزة الأمنية نفسها.

لبنان على حافة إعادة تشكيل كاملة

إقليمياً، تتقاطع كل هذه التطورات مع حراك فرنسي – مصري – خليجي متسارع لمنع توسّع الحرب وتحويل لبنان إلى ساحة انفجار مفتوح، حيث شدّد الرئيسان عبد الفتاح السيسي وإيمانويل ماكرون خلال لقائهما الأخير على ضرورة الحفاظ على استقرار لبنان ومنع انهيار الوضع الأمني فيه، وسط قناعة إقليمية متزايدة بأنّ الجنوب اللبناني لم يعد مجرّد جبهة حدودية، بل بات جزءاً من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بعد الحرب الإيرانية – الأميركية. 

وفي ظلّ هذا المشهد، يبدو لبنان وكأنّه يقف أمام لحظة إعادة صياغة شاملة: الجنوب يُعاد ترتيبه بالقوة، “اليونيفيل” تدخل مرحلة الشكّ بمستقبلها، المفاوضات تتحوّل تدريجياً إلى مسار سياسي يتناول السلاح والدولة، والداخل اللبناني يُعاد فتحه على ملفات حسّاسة كالعفو العام والموقوفين الإسلاميين والاحتقان الطائفي. أما السؤال الحقيقي الذي يسيطر على الكواليس السياسية والأمنية، فلم يعد ما إذا كانت الحرب ستتوقف، بل أيّ لبنان سيخرج منها، وتحت أيّ ميزان قوى داخلي وإقليمي.