القائمة
12:45 10 مايو 2026

بانوراما | لبنان بين نار واشنطن وحدود دمشق.. والحزب خائف من الترتيبات الاقليمية

سياسي

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، بدا لبنان خلال الساعات الماضية وكأنه يقف عند تقاطع ثلاثة مسارات كبرى تتحرك دفعة واحدة: 

١- تصعيد إسرائيلي واسع يسبق المفاوضات في واشنطن

٢- محاولة لبنانية لإعادة تنظيم العلاقة مع سوريا بعد سنوات القطيعة والارتباك

٣- تحولات إقليمية أوسع ترتبط بمسار التفاوض الأميركي – الإيراني واحتمالات إعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة

المشهد لم يعد مجرد حرب جنوبية محدودة أو مفاوضات تقنية حول وقف إطلاق النار، بل أصبح أقرب إلى معركة سياسية كاملة على شكل لبنان المقبل، وعلى موقعه داخل التوازنات الجديدة التي يجري إعدادها بين واشنطن وتل أبيب والعواصم العربية، بالتوازي مع محاولات سورية لإعادة تثبيت الدولة واستعادة السيطرة على حدودها ومؤسساتها.

إسرائيل تفاوض بالنار ولبنان يدخل واشنطن تحت الضغط

قبل أيام قليلة من استئناف المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن، اختارت إسرائيل رفع مستوى النار بشكل مدروس، عبر توسيع نطاق الغارات من الجنوب نحو صيدا والسكسكية والسعديات والشوف، في مؤشر واضح إلى أن تل أبيب تريد الذهاب إلى التفاوض من موقع القوة الميدانية، وليس من موقع الالتزام بأي تهدئة سابقة. 

الرسائل الإسرائيلية كانت مباشرة: لا وقف فعلياً للحرب، ولا تثبيت لأي هدنة قبل فرض قواعد سياسية وأمنية جديدة على لبنان. ولهذا لم يكن التصعيد مجرد رد عسكري، بل جزءاً من عملية ضغط تهدف إلى تحسين شروط التفاوض، بالتزامن مع استمرار الحديث الأميركي عن ترتيبات أمنية وسياسية طويلة الأمد في الجنوب اللبناني.

وفي هذا السياق، برز تطور لافت تمثل برفع مستوى التمثيل اللبناني في مفاوضات واشنطن عبر ترؤس السفير سيمون كرم للوفد اللبناني، في خطوة تعكس انتقال المسار من مرحلة الاتصالات العسكرية – التقنية إلى مرحلة أكثر حساسية سياسياً. لكن خلف هذا التطور، تبدو بيروت أمام معضلة حقيقية: كيف يمكن خوض مفاوضات تحت النار، فيما تستمر إسرائيل في توسيع بنك أهدافها وتهديداتها، وصولاً إلى التلويح باستهداف عمق بيروت؟ 

الأميركيون بدورهم لا يخفون طبيعة المرحلة المقبلة. فوزارة الخارجية الأميركية ربطت بشكل واضح بين “استعادة السيادة اللبنانية” وبين إعادة الإعمار والاستقرار، متحدثة عن اتفاق شامل للأمن والسلام، يتجاوز بكثير السقف اللبناني الرسمي الذي لا يزال يحاول حصر النقاش بوقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي والأسرى. 

وهنا تحديداً، تظهر المخاوف داخل بيروت من أن تتحول المفاوضات إلى مدخل لإعادة صياغة الواقع السياسي والأمني في لبنان، وليس فقط لمعالجة الوضع الحدودي.

حزب الله: بين استمرار الحرب وضغط التسويات

في المقابل، حاول حزب الله إرسال إشارات واضحة بأنه لا يتعامل مع المسار الجاري باعتباره نهاية للصراع أو مقدمة لتسوية نهائية. مواقف النائب حسن فضل الله حملت رسائل سياسية مباشرة، سواء لجهة رفض “المفاوضات المباشرة” أو التأكيد أن الحزب لن يعود إلى ما قبل الثاني من آذار، مع استمرار العمليات العسكرية ضد المواقع الإسرائيلية. 

لكن خلف هذا الخطاب، يبدو واضحاً أن الحزب يواجه لحظة إقليمية مختلفة. فملف الجنوب اللبناني لم يعد يناقش فقط بين لبنان وإسرائيل، بل أصبح جزءاً من مشهد إقليمي أوسع يتصل بالتفاوض الأميركي – الإيراني، وبمحاولات إعادة رسم التوازنات الأمنية في المنطقة. وهذا ما يفسر ارتفاع منسوب القلق داخل بيئة الحزب من أن تتحول أي تفاهمات إقليمية مقبلة إلى ضغط مباشر على دوره العسكري والأمني داخل لبنان.

دمشق تعود إلى الواجهة… ولبنان يفتح القناة السورية مجدداً

في موازاة مشهد الحرب والتفاوض، جاءت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق لتكشف أن بيروت بدأت عملياً إعادة ترتيب علاقتها مع سوريا، ليس من باب الرمزية السياسية فقط، بل من باب الحاجة الاقتصادية والأمنية المباشرة. 

الزيارة حملت طابعاً عملياً واضحاً: فتح معابر، تسهيل الترانزيت، معالجة ملف السجناء والمفقودين، إعادة تنظيم الحدود، البحث في الكهرباء والغاز، وتفعيل اللجان الوزارية المشتركة. كما تم الاتفاق على إطلاق مجلس أعمال لبناني – سوري مشترك، مع تحضير لزيارة وفد اقتصادي لبناني إلى دمشق خلال الأسابيع المقبلة. 

لكن الأهم سياسياً كان اللقاء المطول بين سلام والرئيس السوري أحمد الشرع، والذي استمر لساعتين، بالتوازي مع لقاءات أمنية وسياسية أخرى، أبرزها اجتماع نائب رئيس الحكومة طارق متري مع وزير الداخلية السوري أنس خطاب. 

هذه اللقاءات عكست إدراكاً لبنانياً متزايداً بأن أي استقرار داخلي لم يعد ممكناً من دون تفاهم مباشر مع دمشق، خصوصاً في ملفات الحدود والتهريب وحركة البضائع والنازحين، إضافة إلى إدراك سوري بأن لبنان سيكون جزءاً أساسياً من أي إعادة تنظيم اقتصادي أو أمني في المشرق خلال المرحلة المقبلة.

سوريا أيضاً أمام اختبار الدولة

لكن في مقابل هذا الانفتاح السوري على لبنان، تواجه دمشق تحديات داخلية لا تقل خطورة، خصوصاً في ملف دمج “قسد” ومؤسسات الإدارة الذاتية ضمن الدولة السورية. الأحداث التي شهدتها الحسكة خلال الأيام الماضية، بعد الاعتداء على القصر العدلي ومنع تسليمه للحكومة السورية، أعادت فتح الأسئلة حول حدود قدرة الدولة السورية على فرض سلطتها الكاملة شمال شرق البلاد. 

الخلاف لم يعد فقط حول مبنى أو لافتة باللغة الكردية، بل بات يتعلق بشكل الدولة السورية المقبلة: هل تتجه دمشق نحو نموذج مركزي كامل، أم نحو صيغ مرنة تسمح بهوامش محلية وإدارية أوسع؟ كما أن امتناع “الأسايش” عن التدخل خلال الاعتداءات أثار قلقاً داخل المؤسسات السورية من وجود بنية أمنية – سياسية لا تزال تتصرف باستقلالية عن الدولة. 

المنطقة تدخل مرحلة إعادة ترتيب

في المحصلة، تبدو المنطقة كلها أمام مرحلة انتقالية قاسية ومعقدة. إسرائيل تحاول فرض وقائع جديدة بالقوة العسكرية. واشنطن تدفع نحو إعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي في لبنان. سوريا تحاول استعادة الدولة وإعادة فتح أبوابها العربية والإقليمية. ولبنان يجد نفسه مرة جديدة في قلب العاصفة، بين ضغوط التفاوض، وخطر الحرب، والحاجة إلى إعادة تموضع سياسي واقتصادي سريع قبل أن تفرض عليه الترتيبات من الخارج.