القائمة
01:56 07 مايو 2026

كابلات الانترنت البحرية في هرمز في مرمى إيران: ورقة ضغط جديدة تهدد قطاع الاتصالات العالمي؟

دولية

لطالما شكّل مضيق هرمز أحد أخطر أوراق الضغط التي تمتلكها إيران، نظراً لكونه ممراً أساسياً لإمدادات النفط والطاقة العالمية. فكل إغلاق ينعكس فوراً على أسعار النفط والأسواق الدولية، باعتبار أنّ تعطيل هذا الممر يعني تهديداً مباشراً لشريان الطاقة العالمي. لكن مع تصاعد التوترات الإقليمية، يبدو أنّ طهران تلوّح اليوم بورقة مختلفة: الإنترنت العالمي.

نشرت وكالة وكالة تسنيم خريطة مفصلة لكابلات الإنترنت البحرية التي تعبر مضيق هرمز، مرفقة بتحليل يُظهر هشاشتها الجغرافية وإمكانية تعطلها بفعل حادث تقني أو عمل متعمّد.واستند التقرير إلى معطيات شركة TeleGeography، مشيراً إلى أنّ مرور عدد كبير من الكابلات ضمن مسارات بحرية ضيقة يجعلها عرضة للخطر، سواء بسبب مرساة سفينة أو حطام بحري أو حتى استهداف مباشر. إلا أنّ الرسالة لم تكن تقنية بحتة، بل حملت أبعاداً سياسية واضحة، توحي بأنّ طهران تدرك حجم النفوذ الذي تمثله هذه الشبكات في عالم يعتمد بشكل شبه كامل على الاتصال الرقمي.

من الطاقة إلى "الضغط الرقمي"

 تستخدم إيران موقعها الجغرافي كورقة ضغط عبر مضيق هرمز، الممر الحيوي لتجارة النفط العالمية. لكن الحديث اليوم عن كابلات الإنترنت البحرية يفتح باباً جديداً لما يمكن تسميته بـ"الضغط الجيوسياسي غير المباشر"، حيث تتحول البنية الرقمية إلى عنصر تأثير لا يقل أهمية عن الطاقة.

وتكتسب مناطق مثل مضيق هرمز وبحر عمان أهمية استثنائية، نظراً لعبور منظومات كابلات رئيسية فيها، أبرزها AAE-1 وFalcon وTGN-Gulf، إضافة إلى كابل IMEWE الذي يربط الهند بأوروبا عبر الخليج والشرق الأوسط. وهذه الشبكات لا تنقل البيانات فحسب، بل تشكل العمود الفقري للاقتصادات الرقمية العالمية، والخدمات المصرفية، والأنظمة اللوجستية، والقطاعات الصحية والإدارية.

لبنان في دائرة الخطر الرقمي

 لبنان من أكثر الدول حساسية تجاه أي اضطراب محتمل في هذه الكابلات، بسبب اعتماده الكبير على كابل IMEWE كممر أساسي للاتصال الدولي. فلبنان يمتلك سعات مهمة عبر محطة طرابلس، ما جعله خلال السنوات الماضية مرتبطاً بشكل وثيق بهذا المسار البحري الحيوي.

لكن هذا الارتباط نفسه قد يتحول إلى نقطة ضعف. فأي خلل أو استهداف لمسار الكابل في بحر العرب أو الخليج قد يؤدي إلى فقدان جزء كبير من سعات الإنترنت الدولية في لبنان، ما ينعكس بطئاً حاداً أو انقطاعاً في الخدمات الرقمية، خصوصاً تلك المرتبطة بخوادم ومراكز بيانات في الخليج وآسيا.

ولا يقتصر التأثير على الاستخدامات اليومية، بل يمتد إلى القطاعات المالية والمصرفية. إذ يعتمد لبنان بشكل كبير على شبكات التحويلات والتواصل المالي المرتبطة بمراكز إقليمية في دبي والسعودية، وأي تعطل في هذا المسار قد يؤدي إلى شلل تقني في حركة الخدمات المالية والتجارية بين بيروت والأسواق الخليجية.

استثمارات توقفت… وهشاشة تتزايد

عام 2009 شهد لبنان آخر استثمار جدي في منظومة الكوابل البحرية، من خلال الانخراط الفاعل في مشروع IMEWE، وهي خطوة وضعت البلاد حينها على خريطة الربط الدولي ووفرت استقراراً نسبياً في الاتصالات رغم الأزمات الأمنية والاقتصادية اللاحقة.

إلا أنّ السنوات التالية لم تشهد تطويراً مماثلاً للبنية التحتية الرقمية، ما أدى إلى فجوة متزايدة في تنويع مصادر الاتصال الدولي وتعزيز الحماية التقنية. ومع ارتفاع المخاطر الإقليمية، تبدو هذه الفجوة أكثر خطورة من أي وقت مضى.

هل يشكل "ستارلينك" بديلاً؟

ورغم الحديث المتكرر عن الإنترنت الفضائي كحل بديل، إلا أنّ الواقع التقني يشير إلى محدودية هذا الخيار. فخدمات مثل ستارلينك لا تمتلك القدرة الاستيعابية الكافية لتعويض الكوابل البحرية على مستوى دولة كاملة، كما أنّ الفارق في سرعة الاستجابة وحجم نقل البيانات يجعلها مناسبة للحالات الفردية أو الطارئة، لا كبديل شامل للبنية التحتية التقليدية.

الإنترنت… سلاح المرحلة المقبلة؟

تكشف هذه التطورات أنّ الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على الصواريخ والطاقة، بل باتت تشمل أيضاً السيطرة على تدفق المعلومات والاتصالات. وفي منطقة شديدة الحساسية مثل الخليج، تبدو كابلات الإنترنت البحرية جزءاً من معادلة الردع والضغط السياسي، تماماً كما هي الموانئ وحقول النفط.

ومع تصاعد التوتر بين إيران واميركا، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحول شبكة الإنترنت العالمية إلى ورقة ضغط جديدة في صراعات المنطقة، أم أنّ التلويح بها يندرج فقط ضمن حرب الرسائل المتبادلة؟