لم يعد ممكناً التعامل مع ما يجري في لبنان كأزمة موضعية أو كجولة ضغط عابرة. ما يتشكل فعلياً هو لحظة إعادة تركيب شاملة: وظيفة الدولة، موقع السلاح، دور الجيش، وحدود التفاوض مع إسرائيل. كل ذلك يجري في وقت واحد، وتحت ضغط مزدوج: ميدان قابل للانفجار جنوباً، وانقسام داخلي يتقدم نحو مستويات أكثر خطورة، فيما تتحرك سوريا بالتوازي لمنع انتقال الفوضى إلى أراضيها.
في قلب المشهد، يحاول رئيس الجمهورية جوزيف عون تثبيت مسار تفاوضي مع إسرائيل برعاية أميركية، من دون أن يتحول هذا المسار إلى مدخل لتطبيع سياسي أو تنازل سيادي. رفضه لقاء رئيس الحكومة الاسرائيلي بنيامين نتنياهو حالياً ليس تفصيلاً، بل محاولة لضبط سقف العملية السياسية ومنع استغلالها داخلياً وخارجياً.
لكن هذا المسار يفتقد إلى عنصر أساسي: الإجماع الداخلي. فبينما تدفع بعبدا والسراي باتجاه التفاوض كخيار اضطراري لتفادي الحرب، تطرح عين التينة مقاربة أكثر تشدداً، تربط أي تقدم بوقف العدوان وانسحاب إسرائيلي واضح. أما حزب الله، فيتعامل مع التفاوض كأداة مشروطة: مقبول إذا أدى إلى وقف فعلي للنار، ومرفوض إذا تحوّل إلى منصة لإعادة هندسة الجنوب أمنياً.
هذه التباينات لا تزال تحت السيطرة، لكنها تحمل في جوهرها إمكانية انفجار سياسي في أي لحظة، خصوصاً إذا فُرضت تسويات جزئية أو خطوات ميدانية لا تحظى بغطاء وطني واسع.
فهرس المحتوى [إظهار]
الجنوب: ميدان يضغط على السياسة
على الأرض، لا شيء يوحي بالاستقرار. الجنوب يعيش حالة استنزاف مستمرة، مع تصعيد إسرائيلي محسوب يهدف إلى إبقاء الضغط قائماً دون الانزلاق إلى حرب شاملة حتى الآن. لكن المعطيات تشير إلى أن إسرائيل تدرس بجدية توسيع نطاق عملياتها، خصوصاً إذا تعثر المسار التفاوضي أو انهارت التهدئة الإقليمية المرتبطة بإيران.
هذا الواقع يضع لبنان أمام معادلة قاسية:
• التفاوض يجري تحت تهديد دائم.
• أي تصعيد ميداني قد ينسف المسار السياسي.
• وأي تهدئة غير مستقرة قد تتحول إلى فرصة لإعادة التموضع العسكري.
الأخطر أن الخطاب الإسرائيلي الداخلي بات يميل إلى خيار الحسم، لا إدارة الصراع، ما يعني أن هامش المناورة اللبناني يتقلص تدريجياً.
الداخل: العفو العام كنموذج للانقسام
الاشتباك لا يقتصر على التفاوض. داخل مجلس النواب، تحوّل ملف العفو العام إلى مرآة دقيقة للانقسام البنيوي. النقاش لم يعد قانونياً فقط، بل سياسياً وأمنياً بامتياز: هل العفو أداة لامتصاص الاحتقان، أم ثغرة تضرب هيبة الدولة والمؤسسات؟
السجالات حول جرائم الإرهاب، التمويل، والتجسس، كشفت حجم فقدان الثقة بين القوى السياسية، وحتى بين السياسيين والمؤسسة العسكرية. خروج وزير الدفاع من الجلسة ثم عودته بعد اعتذار، لم يكن حادثة عابرة، بل مؤشر على هشاشة التوازن داخل الدولة نفسها.
الجيش: الضمانة الأخيرة
وسط هذا المشهد، يتقدم الجيش اللبناني كخيار إلزامي، لا كخيار سياسي. كل المسارات من التفاوض، الى ضبط الجنوب، وحتى إدارة الانقسام الداخلي، تمرّ حكماً عبره. من هنا، تكتسب الاتصالات العسكرية بعداً عملياً واضحاً، ومنها لقاء قائد الجيش العماد رودولف هيكل مع وزير الدفاع التركي يشار غولار، والذي يندرج في إطار دعم القدرات التقنية والعملياتية للمؤسسة العسكرية، بما يعزز قدرتها على الإمساك بالأرض في مرحلة شديدة الحساسية.
المقاربة هنا واضحة: لا استقرار من دون جيش قادر، ولا جيش قادر من دون دعم تقني ولوجستي مستمر من أصدقاء لبنان.
سورياً: الحسم الأمني بدل الانتظار
في موازاة ذلك، تتحرك سوريا وفق مقاربة مختلفة تماماً: الحسم الأمني الاستباقي. إعلان وزارة الداخلية السورية تفكيك خلايا مرتبطة بـحزب الله في عدة محافظات، بينها دمشق وحلب وحمص، يكشف أن دمشق لم تعد في موقع المراقب، بل انتقلت إلى مرحلة الفعل المباشر.
المعطيات المتوافرة تشير إلى أن هذه الخلايا:
• تلقت تدريبات تخصصية داخل لبنان.
• امتلكت ترسانة متكاملة من المتفجرات والأسلحة النوعية.
• وصلت إلى مرحلة الجهوزية لتنفيذ اغتيالات تستهدف شخصيات حكومية رفيعة.
هذا يعني أن سوريا كانت أمام تهديد أمني داخلي حقيقي، وليس مجرد نشاط محدود.
دلالات التحرك السوري
ما قامت به دمشق يحمل أبعاداً تتجاوز البعد الأمني المباشر:
أولاً، تثبيت قاعدة واضحة: لن يُسمح بتحويل سوريا إلى ساحة امتداد لأي صراع إقليمي، خصوصاً الصراع المرتبط بلبنان وإسرائيل.
ثانياً، توجيه رسالة غير مباشرة إلى بيروت: الفوضى المرتبطة بالسلاح غير المنضبط لن تبقى محصورة داخل الحدود اللبنانية.
ثالثاً، إعادة الإمساك بالجغرافيا الحدودية، عبر خطط تطوير المعابر- من العريضة إلى باب الهوى- وإقفال الثغرات التي استُخدمت سابقاً في الحركة غير المنضبطة.
رابعاً، رفع مستوى الجهوزية الأمنية تحسباً لأي ارتدادات محتملة من الجنوب اللبناني، خصوصاً في حال توسع المواجهة.
وما يتضح اليوم أن الفصل بين الساحتين اللبنانية والسورية أصبح نظرياً فقط. أي تصعيد في الجنوب اللبناني يمكن أن يمتد بسرعة إلى الداخل السوري، وأي تشدد أمني في سوريا سينعكس مباشرة على توازنات الداخل اللبناني، سواء عبر الحدود أو عبر القوى الفاعلة المشتركة.
بمعنى أدق:
• لبنان يتفاوض تحت الضغط.
• سوريا تضبط الميدان لمنع انتقال هذا الضغط إليها.
• والنتيجة هي معادلة مترابطة لا يمكن لأي طرف إدارتها منفرداً.
لبنان يقف أمام لحظة مفصلية: تفاوض غير مضمون، ميدان قابل للانفجار، وانقسام داخلي مفتوح. في المقابل، تتحرك سوريا لحماية ساحتها عبر الحسم الأمني وإعادة ضبط الحدود، وبين المسارين، يبرز عامل واحد كقاسم مشترك، من يملك السيطرة على الأرض هو من يحدد شكل التسوية. وفي الحالة اللبنانية، لا يبدو أن هذا العامل قد حُسم بعد، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على كل الاحتمالات—من تسوية هشة، إلى انفجار واسع، أو بقاء طويل في منطقة رمادية عالية الكلفة.