انتقد عدد من الشخصيات الشيعية المعارضة لحزب الله، في حديث خاص لـ "كواليس"، البيان الأخير الذي أصدره الأمين العام للخزب الشيخ نعيم قاسم، واعتبروا أنه يعبر عن حالة انكار للواقع الذي جر الحزب لبنان اليه، بل ويعبر عن الإصرار على أخذ الشيعة واللبنانيين الى الانتحار وإفراغ الجنوب من ناسه.
ورأى هؤلاء الناشطين منذ سنوات في الحقل العام السياسي والإعلامي والبحثي، أن رد رئيس الجمهورية جوزيف عون الذي أعقاب بيان قاسم، يعبر عن غالبية وازنة من اللبنانيين، وهو جاء حاسماً في كموقف وطني حاسم يرفض الابتزاز، ويتسمك بحق الدولة السيادي بالتفاوض لتحرير الأرض.
وكان قاسم اعتبر في بيان أمس نشرته قناة "الاعلام الحربي" على تلغرام، أن “السلطة سارعت إلى تنازل مجاني مُذلّ”، معلنًا رفضه القاطع لأي تفاوض مباشر مع إسرائيل واعتبر ان هذه المفاوضات "غير موجودة". وأكد أنّ الحزب “لن يتخلى عن السلاح”.
وبعد ذلك جاء ردّ رئيس الجمهورية السريع والحازم، في ظل تصاعد الجدل الداخلي حول مسار المفاوضات وخيارات الدولة اللبنانية في المرحلة المقبلة، معتبرا ان الخائن هو من يجر لبنان الى الحروب، في أوضح رسالة وموقف من الحزب.
علي مراد: خطاب قائم على الإنكار وهون يعبر عن غالبية اللبنانيين
اعتبر الأستاذ الجامعي والمحامي علي مراد في حديث خاص لـ"كواليس" أنّ خطاب نعيم قاسم لا يزال قائمًا على “منطق الإنكار” والتهرّب من تحمّل المسؤولية، سواء في قرار الدخول إلى الحرب أو في طريقة الخروج منها، معتبرًا أنّ الخطاب يعيد وضع الملف اللبناني في يد المفاوض الإيراني من دون الالتفات إلى النتائج الكارثية التي يعيشها الجنوب اللبناني اليوم.
وأشار مراد إلى أنّ الواقع الحالي في الجنوب هو نتيجة مباشرة للخيارات العسكرية التي اتخذها حزب الله منذ عام 2023، ما أدّى، إلى "انتقال لبنان من خسارة إلى أخرى على مستوى الأرض والبشر والمنازل، وصولًا إلى واقع الاحتلال الذي يعيشه الجنوب اليوم"، محذرًا من أنّ أي خيار عسكري جديد ستكون نتائجه أكثر خطورة.
وانتقد موقف نعيم قاسم الرافض للتفاوض، معتبرًا أنّ الجهة الوحيدة المخوّلة التعبير عن الموقف الوطني هي الدولة اللبنانية عبر مؤسساتها الدستورية، وأنّ أي حزب، مهما بلغ حجمه أو تمثيله داخل الحكومة، لا يملك حق فرض شروطه على الدولة.
وشدّد على أنّ مسألة التفاوض تقع ضمن صلاحيات الدولة، فيما يجب أن تُناقش الخيارات السياسية والاستراتيجية داخل المؤسسات الرسمية، سواء في مجلس الوزراء أو مجلس النواب، لا خارجها.
وأضاف أنّ الأولويات الوطنية اليوم يجب أن تتركّز على استعادة الأراضي المحتلة، وإنهاء الاحتلال، وإعادة الإعمار، واستعادة الأسرى، ووقف الحروب، مشيرًا إلى أنّ الرئيس جوزيف عون كان قد أوضح سابقًا أنّ المسار القائم مع الولايات المتحدة يهدف إلى تحقيق هذه الأهداف، وليس مطروحًا ضمنه أي حديث عن السلام أو التطبيع، خلافًا لما يحاول البعض الترويج له.
وفي تعليقه على ردّ رئيس الجمهورية، اعتبر مراد أنّ الرد السريع والحازم لعون شكّل تعبيرًا واضحًا عن موقف غالبية اللبنانيين وعن موقف المؤسسات الدستورية الرافضة لمنطق الابتزاز السياسي. ورأى أنّ حديث رئيس الجمهورية حول رفض ربط التفاوض بفكرة “الإجماع” حسم الجدل داخل السلطة التنفيذية، وأسقط محاولات حزب الله اللعب على التناقضات بين الرئاسات.
وأكد مراد أنّ موقف رئيس الجمهورية كرّس خيار الدولة بالذهاب إلى التفاوض باعتباره المسار الوحيد المتاح أمام لبنان في هذه المرحلة، مشددًا على أنّ الحديث عن دخول لبنان إلى المفاوضات من موقع ضعف ليس دقيقًا، في ظل وجود شرعية دولية داعمة لحق لبنان في أراضيه المحتلة، إضافة إلى الدعم العربي والدولي.
وختم بالقول إنّ النقاش الحقيقي اليوم لم يعد بين “وطنيين وعملاء”، بل بين مشروع يريد إبقاء لبنان ساحة لصراعات الآخرين، ومشروع يسعى إلى قيام دولة فعلية قادرة على حماية شعبها ومؤسساتها.
علي الأمين: الحزب يقود لبنان نحو الانتحار وهون يعبر عن رأي لبناني واسع
من جهته، رأى رئيس تحرير جنوبية علي الأمين في حديثه لـ"كواليس" أنّ حزب الله لا يكتفي بالذهاب نحو “الانتحار السياسي والعسكري”، بل يسعى أيضًا إلى أخذ لبنان واللبنانيين معه إلى هذا المصير، معتبرًا أنّ ذلك يشكّل جريمة بحق البلاد والشعب اللبناني.
ودعا الأمين الدولة اللبنانية إلى اتخاذ خيارات واضحة لحماية لبنان، أقلّها تنفيذ القرارات المطروحة، منتقدًا ما وصفه بحالة التفرّج والانتظار التي تعتمدها السلطة، والتي اعتبرها مشاركة مباشرة في ما يجري.
وأشار إلى أنّ الرهان على “عقلانية” قيادة حزب الله لم يعد مجديًا، معتبرًا أنّ الحزب ينفّذ أجندة مرتبطة بالمصالح الإيرانية، مستشهدًا بتصريحات محمد باقر قاليباف التي قال فيها إنّ الحزب يخوض معركة الدفاع عن إيران.
كما توقّف عند خطاب نعيم قاسم، لافتًا إلى أنّه تجاهل الحديث عن القرى المحتلة، متسائلًا عمّا إذا كان استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض المناطق يُستخدم لتبرير بقاء سلاح الحزب، بما يعني أنّ السلاح تحوّل "إلى غاية بحد ذاته".
وفي تعليق الأمين على رد عون، رأي انه يعبر عن رأي عام لبناني واسع يرى بأن هذه الحرب كان يمكن تفاديها لولا مغامرة حزب الله، وأنه ما وصلنا إليه من مأزق على مستوى التفاوض وعلى مستوى كيف نعيد تحرير الأرض ما كان سببه إلا هذه المغامرات التي ذهب فيها حزب الله من دون أن يعطي اعتباراً لأحد من اللبنانيين سواه. لا بل أساساً هذا القرار كما أشرنا ما كان إلا استجابة لتعليمات إيرانية. وبالتالي موقف الرئيس فيه شيء من الانتفاضة اللبنانية والوطنية والسيادية. وهذا أمر جعل معظم اللبنانيين يلتفون حول الرئيس ويقدرون موقفه باعتباره يعبر عن موقف لبناني وطني صافي
عباس هدلا: الجنوب تحوّل إلى أرض محروقة
واعتبر عباس هدلا مدير الأبحاث في أمم للتوثيق والأبحاث في حديث خاص لـ"كواليس" أنّ خطاب قاسم لا يحمل أي جديد، بل يندرج ضمن محاولة تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية نتائج الحرب التي خاضها حزب الله، مشيرًا إلى أنّ الحزب يسعى إلى كسب الوقت والحفاظ على موازين القوى القائمة رغم حجم الدمار والتهجير الذي أصاب الجنوب اللبناني.
ورأى هدلا أنّ الجدل حول التفاوض المباشر أو غير المباشر مع إسرائيل لن يغيّر في الواقع شيئًا، مستشهدًا باتفاق الترسيم البحري، معتبرًا أنّ الحزب يوظّف هذه العناوين كشعارات سياسية فيما تتحوّل القرى الجنوبية إلى “أرض محروقة” بعد تهجير سكانها وتدمير ممتلكاتهم.
وأشار إلى أنّ ما جرى في الجنوب يشكّل “جريمة موصوفة” بحق الأهالي الذين باتوا رهائن للعودة، معتبرًا أنّ تفريغ المناطق الحدودية من سكانها منح الاحتلال الإسرائيلي هامشًا أوسع للتحرك، وجعل أي مواجهة مستقبلية أكثر تعقيدًا مقارنة بالمراحل السابقة.
وفي تعليقه على موقف عون، اعتبر هدلا أنّ رئيس الجمهورية وجد نفسه في موقع بالغ الصعوبة نتيجة الحرب، ما دفعه إلى رفع سقف مواقفه والسعي إلى مفاوضات تهدف إلى وقف التدمير الإسرائيلي وتأمين عودة النازحين إلى قراهم.
كما شدّد هدلا على أنّ مسألة سلاح حزب الله لا يمكن مقاربتها على أساس أنّ الحزب سيسلّم سلاحه طوعًا، معتبرًا أنّ هذا السلاح مرتبط بعقيدة سياسية ودينية تعود إلى مشروع الحزب القائم منذ الثمانينيات والمرتبط بفكرة “ولاية الفقيه”.
وأضاف أنّ الحزب، رغم خسائره العسكرية، لا يزال يحتفظ بنفوذ واسع داخل البيئة الشيعية وفي مؤسسات الدولة اللبنانية، سواء على مستوى الإدارة أو القضاء أو ما وصفه بـ"الدولة العميقة"، مؤكدًا أنّه لن يتخلى بسهولة عن نفوذه أو دوره داخل السلطة.
وختم هدلا بالتشديد على ضرورة أن تتحرّك الدولة اللبنانية سريعًا لإعادة النازحين وإطلاق مسار إعادة الإعمار بعيدًا عن الضغوط والشعارات السياسية.