القائمة
10:27 27 نيسان 2026

مانشيت| لبنان: معادلة ثلاثية تمنع الانفجار وتبقي الحل مرتبطاً بإعادة تركيب ميزان الدولة والسلاح

لبنان

دخلت الساحة اللبنانية مرحلة شديدة التعقيد، حيث لم تعد الهدنة المعلنة سوى إطار هشّ لإدارة الاشتباك، لا لوقفه. فالتصعيد الإسرائيلي المتواصل في الجنوب، من كفرتبنيت إلى زوطر وبرج قلاويه، وما رافقه من إنذارات بالإخلاء وصلت الى شمال الليطاني، ونزوح كثيف، يعكس واقعاً ميدانياً قائماً على فرض وقائع بالقوة، لا على تثبيت تفاهمات. 

في المقابل، يظهر أن تل أبيب تتعامل مع الهدنة كأداة ضغط مرحلية لإعادة رسم قواعد الاشتباك، مستفيدة من غموض السقف السياسي للمفاوضات الجارية برعاية أميركية سواء على المسار اللبناني او الايراني. 

في الداخل، يتقاطع هذا التصعيد مع تحوّل واضح في مقاربة الدولة اللبنانية لملف السيادة والسلاح. خطاب رئيس الحكومة نواف سلام حول “جيش واحد وقانون واحد” لا يأتي في سياق سياسي تقليدي، بل ضمن مسار متدرّج لإعادة تعريف وظيفة الدولة في ظل الحرب، عبر تثبيت مرجعية المؤسسات الرسمية كإطار وحيد لإدارة الأمن.

 هذا الطرح لا يعني مواجهة مباشرة مع حزب الله، بل إدخال ملف السلاح ضمن عملية سياسية مركّبة، ترتبط بثلاثة شروط أساسية:

الانسحاب الإسرائيلي الكامل 

إعادة الإعمار 

ضمان الاستقرار الداخلي 

وهنا تحديداً، يتشكل جوهر المسار اللبناني: فلبنان يبدو انه لا يتجه نحو الانخراط في مسار سلام شامل بالمعنى التقليدي، ويتمسك بإطار “ترتيبات أمنية” تنهي الحرب من دون فرض تطبيع سياسي. هذا التمييز ليس تفصيلاً، بل يعكس إدراكاً داخلياً بأن أي قفزة نحو السلام الكامل ستفجّر التوازنات الداخلية، في ظل غياب توافق وطني حول موقع لبنان في الإقليم.

الدور السعودي 

في هذا السياق، يبرز الدور السعودي كعامل تثبيت، لا تغيير. الرسائل التي حملها الموفد الخاص الأمير يزيد بن فرحان أعادت رسم سقف الحركة السياسية: حماية الحكومة، تثبيت الطائف، منع أي صدام داخلي، والتأكيد على أن أي معالجة لملف السلاح يجب أن تتم ضمن الدولة لا على حسابها. عملياً، هذا يعني أن الرياض تدفع نحو إدارة الأزمة لا حسمها، عبر خلق مظلة سياسية تتيح انتقالاً تدريجياً في بنية القوة داخل لبنان.

لكن التعقيد الحقيقي يتجاوز الداخل. فالمسار اللبناني بات مرتبطاً مباشرة بالتفاهمات الإقليمية، وخصوصاً المفاوضات الجارية في إسلام آباد بين واشنطن وطهران. هذه المفاوضات، وإن ركّزت على الملف النووي ومضيق هرمز، تفتح الباب أمام مسار موازٍ يتعلق بنفوذ إيران في المنطقة، بما يشمل لبنان. وبحسب المعطيات، فإن أي تفاهم إقليمي مستقبلي سيتضمن بنداً معني بضبط سلاح الحلفاء، ما يضع "حزب الله" في قلب معادلة إقليمية أكبر من الساحة اللبنانية نفسها.

في المقابل، تكشف النقاشات داخل إسرائيل عن انقسام بما يخص إمكانية الحسم العسكري ضد الحزب في ظل الوضع الحالي والضغط الاميركي، ما قد يفتح المجال للانتقال من هدف “القضاء” إلى هدف “الاحتواء”، ما يفسر التركيز على تدمير القرى الحدودية وفرض شروط ما بعد الحرب. الهدف هنا ليس الانتصار العسكري، بل إعادة تشكيل البيئة الجغرافية والبشرية للجنوب، بما يؤخر عودة السكان ويقيّد أي إعادة تموضع للمقاومة.

بذلك، يصبح لبنان أمام معادلة ثلاثية معقّدة:

ضغط عسكري إسرائيلي لإعادة رسم الحدود 

ضغط سياسي عربي–دولي لإعادة بناء الدولة 

ضغط إقليمي لإعادة ضبط دور حزب الله 

وكل ذلك يجري ضمن هامش ضيق يمنع الانفجار، لكنه لا يفتح باب الحل.