يستمر حزب الله في ممارسة سياسة ترهيب الناس والتحكم في وسائل الإعلام، في حوادث يومية يتعرض لها المواطنون والفرق الصحفية، وبعضها وُثق بالصوت والصورة أمام الكاميرات.
فبالرغم من صدور قرار حكومي واضح يقضي بحظر كافة الأنشطة الأمنية والعسكرية لحزب الله، وتأكيد السلطة على بسط سيادتها الوحيدة على كافة الأراضي اللبنانية، إلا أن المشهد الميداني يعكس وقائع مغايرة تماماً. ففي المناطق التي يسيطر عليها حزب الله، يبدو أن مفاعيل هذه القرارات تتوقف عند "الحواجز الحزبية"، حيث لا يزال الجناح الأمني للحزب هو الآمر والناهي، يمارس سطوته بأسلوب الترهيب وفرض السيطرة، ضارباً بعرض الحائط هيبة الدولة وخططها الأمنية.
في توثيق ميداني لهذا الواقع، تعرضت مراسلة قناة "LBCI" لموقف يجسد ترهيب الفرق الإعلامية والضيف على حد سواء. خلال رسالة مباشرة من قلب الركام في الضاحية الجنوبية، كان الضيف يتحدث بمرارة عن تدمير منزله للمرة الثانية، قائلاً: "هذا نصيبنا وقدرنا" و"نحن تهجرنا وكنا نشاهدكم خلال شهر رمضان". في الفيديو، بينما كان الضيف يتحدث بمرارة عن منزله المدمر، ظهر صوت عدد من الشبان في المكان على دراجات نارية، أحدهم طلب فوراً إطفاء الكاميرا، فيما حاول آخر الإمساك بالمصور. ، ليقول احدهم: "ممنوع التصوير دون إذن". اللافت في المشهد هو ردة فعل الضيف الذي بدا عليه الارتباك على الرغم من انه يوصل معاناته ولا يتعرض لأي طرف سياسي او حزبي ، محاولاً الإشارة بيده وكأنه يعتذر عن "تجاوز" لم يرتكبه.
ولم ينتهِ الأمر هنا، اذ لم تستطع المراسلة من ممارسة عملها بحرية بحسب ما نشرت على "فايسبوك" إلا بعد التواصل مع "مكتب العلاقات العامة" في الحزب ، الذي أرسل مرافقين مع الفريق الإعلامي لمواكبتهم طيلة النهار. هنا يُطرح السؤال الجوهري: لماذا يحتاج الإعلام إلى "إذن" للتصوير في مناطق لبنانية يفترض أنها تخضع لسلطة الدولة؟ ولماذا يُعتبر الصحفي "متسللاً" ما لم يحصل على بركة "الجهات المعنية" في الحزب؟
وكانت "كواليس" كشفت بتاريخ 6 نيسان 2026 عن رسالة وجهها الحزب للإعلاميين، والتي تمنع الدخول إلى مناطق نفوذ الحزب إلا بإذن مسبق وتنسيق كامل مع مكتب "العلاقات العامة"، مع التهديد بأن أي وسيلة إعلامية تتوجه دون تنسيق سيتم التعامل معها من قبل "الجهات المعنية" التابعة للحزب.
تنتقل مشاهد فرض السيطرة إلى البقاع الغربي، وتحديداً بلدة "يحمر"، حيث تتجلى أشرس أنواع الترهيب الفكري. هناك، أقدم أحد المواطنين على إحراق صورة للأمين العام السابق للحزب، لكنه لم يلبث أن ظهر في فيديو جديد بمللامح ونبرة صوت تروي قصة الضغط الأمني خلف الكاميرا. تحت وطأة التهديد، تحول فعله إلى "سوء تفاهم"، وتحولت قناعته إلى مديح قسري واصفاً نصرالله بـ "تاج رأس الأمة". هذا النمط من "الاعتذارات المصورة" هو الأداة المفضلة لكسر إرادة المعارضين وترسيخ فكرة أن ثمن الاعتراض باهظ جداً.
تطرح هذه الحوادث سؤالاً جوهرياً على الحكومة اللبنانية والأجهزة العسكرية: أين هي خطة حظر الجناح الأمني والعسكري؟ إن بقاء الإعلام رهينة لـ "إذن العلاقات العامة"، وبقاء المواطن عرضة للتهديد لإجباره على تغيير رأيه، يؤكد أن الدولة اللبنانية ما زالت "ضيفاً" في مناطق نفوذ الحزب، وأن الجناح الأمني للحزب هو من يقرر من يصوّر، ومن يتكلم، ومن "يعتذر".