القائمة
12:06 26 نيسان 2026
"خاص كواليس"

بانوراما| هكذا يدير عون وسلام المستحيلات وسط هدنة تُدار وجنوب "منخفض الكثافة"

وراء الكواليس

 تشكيله، وواشنطن تدفع نحو “الاختراق الصوري”

لم يعد توصيف المرحلة في لبنان مرتبطًا بوجود هدنة أو غيابها، بل بطبيعة هذه الهدنة نفسها: هدنة مُدارة، تُستخدم كإطار لضبط الإيقاع، لا لوقف الاشتباك.

ووفق تقاطعات مصادر ميدانية، دبلوماسية وسياسية لـ“كواليس”، فإن البلاد دخلت عمليًا مرحلة إعادة رسم توازنات تحت الضغط، حيث يتقدّم الميدان على السياسة، فيما تُدفع الدولة إلى خيارات معقّدة ضمن هوامش ضيقة للغاية، خصوصا مع اصرار الحزب الى الاستمرار بالرد على الاستهدافات الاسرائيلية.

الجنوب: من ساحة مواجهة إلى مشروع إعادة هندسة ميدانية

تشير معطيات ميدانية متقاطعة إلى أن العمليات الإسرائيلية في الجنوب لم تتراجع، بل انتقلت من نمط المواجهة المفتوحة إلى نمط “الإدارة الدقيقة للاستنزاف”.

الغارات لا تزال شبه يومية، والاستهدافات تطال نقاطًا محددة بشكل متكرر، في يحمر الشقيف، مروحين، بنت جبيل، عيتا الشعب، الخيام ودير عامص، مع توسّع لافت في استخدام المسيّرات، بما فيها التحليق فوق بيروت كرسالة سياسية–أمنية مزدوجة.

وبحسب مصادر ميدانية لـ“كواليس”، فإن ما يجري يتجاوز الخروقات التقليدية، ليأخذ شكل عملية إعادة تشكيل تدريجي للجنوب، تقوم على:

  1. تدمير البنى السكنية بشكل منهجي
  2. استهداف مقومات الحياة اليومية (كهرباء، طرق، خدمات)
  3. خلق بيئة طاردة للسكان

وتؤكد المصادر أنّ هذا المسار يهدف إلى إنتاج “جنوب منخفض الكثافة السكانية”، يمكن التعامل معه لاحقًا كمنطقة عازلة غير معلنة، من دون الحاجة إلى إعلان سياسي رسمي.

في المقابل، تكشف مصادر محلية أن عودة الأهالي إلى القرى تتم رغم إدراكهم لحجم المخاطر، نتيجة استنفاد القدرة على النزوح، ما يضع المجتمع المحلي أمام ضغط مركب: أمني– معيشي– نفسي، قابل للتحول إلى عامل توتر داخلي في أي لحظة.

 إسرائيل تفرض الوقائع… والدبلوماسية تتراجع

تجمع مصادر دبلوماسية لـ“كواليس” على أن إسرائيل تتعامل مع الهدنة كأداة لإعادة التموضع، لا كالتزام، مستفيدة من عاملين أساسيين:

1. غياب آلية ردع ميداني فعّالة

2. انشغال الأطراف الدولية بإدارة الأزمة بدل حلّها

وتشير هذه المصادر إلى أن استمرار العمليات بهذا الشكل يقوّض تدريجيًا أي رهان لبناني على المسار الدبلوماسي، إذ كلما تقدّمت الوقائع على الأرض، تراجعت قدرة السياسة على استيعابها أو عكسها.

واشنطن: هندسة “اللحظة السياسية” لا الحل

في موازاة الميدان، تكشف مصادر دبلوماسية غربية لـ“كواليس” عن مسار تقوده إدارة دونالد ترامب، يهدف إلى تحقيق اختراق سياسي سريع في الملف اللبناني– الإسرائيلي، عبر الدفع نحو لقاء مباشر أو شبه مباشر في واشنطن.

وبحسب هذه المعطيات، فإن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المرتقبة إلى واشنطن تُستخدم كمنصة محتملة لعقد لقاء مع رئيس الجمهورية جوزيف عون، ضمن ما تصفه المصادر بـ“هندسة لحظة سياسية إعلامية”.

وتوضح المصادر أن الهدف الأميركي لا يتمثل حاليًا في إنتاج تسوية شاملة، بل في:

  1. تثبيت مسار تفاوضي تدريجي
  2. خلق مشهد سياسي يمكن تسويقه داخليًا وخارجيًا
  3. اختبار قابلية الأطراف للانخراط في مسار أطول

غير أن هذا التوجه يواجه معضلة بنيوية: كيف يمكن إنتاج “صورة سلام” في ظل استمرار العمليات العسكرية؟

وهو ما يجعل أي خطوة من هذا النوع محفوفة بمخاطر داخلية لبنانية عالية.

الغطاء الداخلي: إدارة التوازن لا حسم الخيارات

في هذا السياق، جاء موقف المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى برئاسة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، ليؤسس لغطاء داخلي محسوب لمسار التفاوض.

وبحسب مصادر سياسية لـ“كواليس”، فإن أهمية هذا الموقف تكمن في ثلاث نقاط:

  1. شرعنة خيار التفاوض ضمن سقف وطني
  2. تثبيت اتفاق الطائف كمرجعية غير قابلة للمساس
  3. حماية موقع رئاسة الحكومة من الاستهداف السياسي

وتشير المصادر إلى أن إعادة طرح الطائف في هذا التوقيت ليست تفصيلًا، بل رسالة مزدوجة: داخلية لضبط التوازن، وخارجية لتأكيد أن أي مسار تفاوضي يجب أن يمر عبر المؤسسات.

السلطة: إدارة “المستحيلات الثلاثة”

وفق مصادر حكومية، يواجه كل من رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الجمهورية معادلة شبه مستحيلة، تقوم على التوفيق بين:

  1. مطلب أميركي بالتقدم في التفاوض
  2. واقع ميداني إسرائيلي متصاعد
  3. موقف داخلي رافض يقوده حزب الله

وتؤكد المصادر أن ما يُطرح كـ“مهلة زمنية” من قبل واشنطن لا يترافق مع ضمانات مقابلة، ما يجعل أي خطوة لبنانية محفوفة بكلفة سياسية داخلية، من دون مقابل ميداني واضح.

في المقابل، ترى مصادر سياسية أن أي تجاوز لهذه التوازنات قد يؤدي إلى اهتزاز داخلي واسع، خصوصًا إذا ما جرى الدفع نحو تفاوض مباشر من دون غطاء وطني كافٍ.

الداخل: هشاشة قابلة للاشتعال

داخليًا، تعكس حادثة ساقية الجنزير نموذجًا عن هشاشة الوضع الأمني–الاجتماعي، حيث تحوّل ملف خدماتي مرتبط بالمولدات إلى توتر ميداني، بعد مداهمة نفذتها مديرية أمن الدولة.

وعلى الرغم من شرح مصدر قضائي، بأن القضية تعود إلى مخالفات مالية، لكن طريقة المداهمة ادت الى شحن شعبي اعتبر انه مستهدف دون غيره، ما ادى الى تطور الأمور إلى إطلاق نار وقطع طرقات، بحسب مصادر بيروتية.

وتساءلت فعاليات بيروتية عن سبب هذا الاستعراض بتطبيق القانون على من هو معارض للحزب، بينما تسود "القبضة الناعمة" مع الحزب وانصاره على الرغم من قرارات حكومية واضحة بهذا الشأن. 

وقد فتح مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم تحقيقًا في الحادثة، التي تعكس، بحسب مصادر متابعة، قابلية الوضع الداخلي للاهتزاز السريع، نتيجة تراكم الأزمات المعيشية.

لبنان في الإقليم: من ساحة إلى ورقة

إقليميًا، حضر لبنان بوضوح في لقاءات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، حيث جرى بحث وقف إطلاق النار وتداعياته.

وتؤكد مصادر دبلوماسية أن هذا الحضور يعكس تحوّل لبنان من ساحة متأثرة إلى ورقة ضمن التفاوض الإقليمي، حيث تُستخدم الجبهة اللبنانية كمؤشر على نجاح أو فشل مسارات التهدئة.

بالتوازي، يتحرك الموفد السعودي يزيد بن فرحان في بيروت، في إطار مسعى لضبط الإيقاع الداخلي، ومنع الانزلاق إلى صدام سياسي–مذهبي، مع تركيز خاص على إعادة فتح قنوات التواصل بين القوى المتخاصمة.

الخلاصة: لبنان في لحظة اختبار حاسمة

في المحصلة، يبدو لبنان، وفق تقدير مصادر “كواليس”، أمام لحظة اختبار حقيقية، تتقاطع فيها ثلاثة مسارات:

  1. استنزاف ميداني إسرائيلي مستمر
  2. إدارة أميركية للتهدئة ضمن شروطها
  3. حراك عربي–إقليمي لمنع الانفجار

لكنّ المعطى الأهم، وفق هذه القراءة، هو أن الهدنة لم تُنتج استقرارًا، بل أعادت تنظيم الصراع ضمن قواعد جديدة.

لبنان، في هذه المرحلة، ليس خارج الاشتباك…

بل في قلبه — حيث تُختبر التوازنات، وتُرسم حدود المرحلة المقبلة، على إيقاع الوقت الذي لم يعد يعمل لصالح أحد.