القائمة
10:21 25 نيسان 2026

مانشيت| لبنان هدنة بلا سقف … و3 مسارات متوازية تتحكم بالتفاوض

لبنان

لم يعد تمديد الهدنة بين لبنان وإسرائيل حدثاً تقنياً مرتبطاً بإدارة وقف إطلاق النار، بل تحوّل إلى أداة ضغط مركّبة لإعادة صياغة المشهد الإقليمي.

فالإعلان الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتمديد الهدنة لثلاثة أسابيع إضافية، لم يكن منفصلاً عن مسار سياسي واضح: حسم أميركي بفصل المسار اللبناني- الإسرائيلي عن المسار الاميركي، وإعطاء إسرائيل هامش حركة ميداني واسع تحت عنوان "الدفاع عن النفس" من أجل اضعاف "حزب الله" بصفته المعرقل للجهود الديبلوماسية اللبنانية لوقف الحرب، بالتوازي مع محاولة فرض اختراق سياسي يتمثّل بلقاء مباشر بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض.

هذا الربط بين الميدان والسياسة يكشف طبيعة المرحلة: ليس وقفاً للحرب، بل إعادة تنظيم لها وفق شروط جديدة. فواشنطن، عبر وزير خارجيتها ماركو روبيو، تروّج بأن المسار اللبناني- الإسرائيلي سهل وسينتج "سلاما سريعا"، بينما تُبقي في الواقع على أدوات الضغط العسكري قائمة، ما يتيح لإسرائيل فرض وقائع ميدانية تُستخدم لاحقاً كورقة تفاوضية.

في الجنوب اللبناني، تتظهّر هذه المعادلة بوضوح. الخروقات لم تتوقف، بل تحوّلت إلى نمط يومي: غارات تستهدف سيارات ومدنيين، عمليات تفجير منظمة داخل القرى، إنذارات للسكان بإخلاء مناطقهم، في الوقت الذي يستمر فيه الحزب في اطلاق الصواريخ والتهديد بعدم الالتزام بوقف اطلاق النار. كما يشترك الحزب مع اسرائيل في منع العودة إلى عشرات البلدات. هذه الإجراءات لا تبدو ردود فعل موضعية، بل جزء من خطة لإعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية جنوب الليطاني، عبر تثبيت "منطقة صفراء" عازلة، وتفكيك البيئة العمرانية التي يمكن أن تُستخدم كغطاء لأي نشاط عسكري.

ووسط هذا الاشتباك المضبوط، يدخل لبنان الرسمي في مسار تفاوضي معقّد. الرئيس عون يحاول تثبيت معادلة سيادية تقوم على رفض تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض، والمطالبة بانسحاب إسرائيلي كامل ووقف الاعتداءات. في الوقت نفسه، يسعى رئيس الحكومة نواف سلام إلى استثمار الضغط الأميركي لانتزاع مكاسب ميدانية يمكن البناء عليها داخلياً، خصوصاً فيما يتعلق بملف السلاح وإعادة طرحه ضمن إطار سياسي.

لكن هذا المسار يصطدم بعقبتين أساسيتين:

- أولاً، استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، ما يشكك في جدوى فعالية التفاوض واستمراره

- ثانياً، الانقسام الداخلي حول شكل هذا التفاوض وحدوده، في ظل التهديدات المتصاعدة من قبل حزب الله بحق رئيس الجمهورية بشكل خاص.  

في المقابل، تبرز سوريا كعنصر حاسم في إعادة التوازن الإقليمي. 

وتتحرّك قوى إقليمية أخرى لمحاولة ضبط المسار اللبناني. السعودية، عبر الأمير يزيد بن فرحان، تدفع باتجاه توحيد الموقف الداخلي ومنع الانزلاق إلى اتفاق غير متوازن، فيما يعمل الأوروبيون على دعم مسار التهدئة وربطه بإعادة الإعمار. لكن هذه الجهود تبقى محدودة التأثير في ظل استمرار التباين الأميركي–الإسرائيلي حول سقف التفاوض، واستمرار إسرائيل في فرض وقائع ميدانية.

في المحصلة، تتداخل ثلاثة مسارات متوازية:

1- مسار تفاوضي لبناني يجري تحت ضغط النار،

2- مسار عسكري إسرائيلي يهدف إلى تثبيت واقع جديد بالقوة، 

3- مسار سوري يقوم على الانكفاء المدروس وإعادة بناء الداخل. 

وبين هذه المسارات، تتشكل معادلة إقليمية دقيقة، حيث لا أحد يريد الانفجار الشامل، لكن لا أحد مستعد أيضاً لتقديم تنازلات حقيقية.

وهنا تكمن خطورة المرحلة، الهدنة لم تعد فاصلاً بين الحرب والسلام، بل تحوّلت إلى مساحة رمادية تُدار فيها الصراعات بوسائل مختلفة. لبنان يُدفع إلى التفاوض من موقع هش، إسرائيل تكرّس مكاسبها ميدانياً، الولايات المتحدة تستثمر الوقت سياسياً، وسوريا تغلق جبهتها وتعيد ترتيب أوراقها.

أما النتيجة، فتبقى مفتوحة، إما تثبيت توازن هشّ يقوم على الاحتواء المتبادل، أو انزلاق تدريجي نحو انفجار مؤجّل، قد لا يبقى محصوراً ضمن الحدود اللبنانية هذه المرة