كشفت "القناة 12" الإسرائيلية عن استقالة رئيس البرلمان الإيراني محمدباقر قاليباف من فريق التفاوض الإيراني، على خلفية اعتراضه على تدخل الحرس الثوري في مسار المفاوضات. ورغم حساسية الخبر وما يحمله من دلالات سياسية داخلية وخارجية، لم يصدر أي نفي رسمي من وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية سواء عبر وكالة فارس أوتسنيم او ايرنا، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول حقيقة الانقسام داخل بنية الحكم الإيراني، وحجم التوتر القائم بين المؤسسات السياسية التقليدية والحرس الثوري.
غياب النفي الإيراني لا يبدو تفصيلاً عابراً، خصوصاً في ظل اعتماد طهران عادةً سياسة الرد السريع على التسريبات التي تمس تماسك النظام أو صورة مؤسساته السيادية. لذلك، فإن الصمت الرسمي قد يُقرأ بوصفه مؤشراً على وجود خلافات فعلية داخل دوائر القرار، أو على الأقل على وجود تباين عميق في إدارة الملف التفاوضي، بين من يريد الحفاظ على مسار سياسي ودبلوماسي، وبين من يدفع نحو مقاربة أمنية وعسكرية يقودها الحرس الثوري.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية لأن قاليباف لا يُعد شخصية هامشية داخل النظام الإيراني، بل يُعتبر من أبرز أركان المؤسسة المحافظة، ويمتلك خلفية عسكرية وسياسية مرتبطة أصلاً بالحرس الثوري. وبالتالي، فإن الحديث عن اعتراضه على تدخل الحرس في المفاوضات يعكس احتمال وصول الخلافات إلى مستويات غير مسبوقة داخل المعسكر الواحد، لا سيما مع تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية على إيران في ملفات متعددة، من البرنامج النووي إلى النفوذ الإقليمي والعقوبات الاقتصادية.
سياسياً، قد تكشف هذه الأزمة عن صراع أعمق حول من يملك القرار النهائي في إيران: هل المؤسسات الرسمية، أم الأجهزة العسكرية والأمنية التي راكمت نفوذاً واسعاً خلال السنوات الماضية؟ فالحرس الثوري لم يعد مجرد قوة عسكرية، بل تحوّل إلى لاعب سياسي واقتصادي وأمني يمتلك تأثيراً مباشراً على توجهات الدولة الخارجية، ما جعل كثيراً من المراقبين يعتبرون أن أي مفاوضات إيرانية لا يمكن أن تنجح أو تتقدم من دون موافقته المباشرة.
وفي بُعد آخر، قد يشير هذا الخلاف إلى اشتداد التنافس الداخلي مع اقتراب استحقاقات سياسية حساسة داخل إيران، حيث تحاول أجنحة مختلفة تعزيز نفوذها في مرحلة تشهد اضطرابات اقتصادية وضغوطاً شعبية متزايدة. وفي هذا السياق، يبدو أن ملف التفاوض بات جزءاً من معركة داخلية على السلطة والنفوذ، وليس مجرد مسار دبلوماسي مرتبط بالعلاقات الخارجية.
في المحصلة، سواء تأكدت الاستقالة رسمياً أم بقيت ضمن إطار التسريبات غير المعلنة، فإن مجرد تداولها بهذا الشكل، مقروناً بالصمت الإيراني الرسمي، يعكس وجود حالة ارتباك أو صراع مكتوم داخل النظام الإيراني. وهو ما قد يحمل تداعيات تتجاوز حدود السياسة الداخلية، لتطال مستقبل المفاوضات الإيرانية، وطبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة والحرس الثوري، وحتى شكل التوازنات داخل النظام نفسه في المرحلة المقبلة.