في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز الشأن البلدي، تتجه الأنظار إلى مدينة دير البلح في قطاع غزة، حيث يجري التحضير لأول انتخابات بلدية تشهدها المدينة منذ ما يقارب العقدين، في مشهد يعكس تحولات سياسية وإدارية حساسة داخل القطاع. وبينما تبدو العملية الانتخابية في ظاهرها محاولة لإعادة تفعيل الحياة المدنية بعد سنوات من الجمود، تكشف تفاصيلها عن صراع أعمق يتعلق بمستقبل التمثيل السياسي في غزة، وحدود نفوذ حركة حماس، ومساعي السلطة الفلسطينية لإعادة تثبيت حضورها السياسي والمؤسساتي داخل القطاع.
وبحسب ما نشرته صحيفة "تايمز اوف اسرائيل"، بدأت ملامح الانتخابات تظهر ميدانياً في دير البلح من خلال ملصقات توعوية تشرح آلية الاقتراع، في مشهد غير مألوف لسكان المدينة الذين حُرموا من اختيار ممثليهم المحليين منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2007، واعتماد نظام التعيين في إدارات البلديات بدلاً من الانتخابات.
وتتنافس في الانتخابات أربع قوائم مستقلة غير حزبية هي:"السلام والبناء"، "دير البلح تجمعنا"،"مستقبل دير البلح"، "نهضة دير البلح"، في حين أشار موقع العربي الجديد إلى أن هذه القوائم تحمل طابعاً عائلياً إلى حد بعيد، وتضم مرشحين مقرّبين من فصائل فلسطينية معروفة من دون أن يكونوا أعضاء مباشرين فيها، مع غياب كامل لأي مرشح ينتمي إلى حركة حماس، في مؤشر يُقرأ سياسياً على أنه محاولة لإبعاد الحركة عن المشهد التمثيلي المحلي في غزة.
وفي سياق متصل، أوضح التقرير من الصحيفة الاسرائيلية أن المرشحين ملزمون بالتوقيع على تعهد يقرّ بالالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية والاعتراف بها ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني، وهي خطوة لمحاولة ضمان انسجام المجالس البلدية المقبلة مع رؤية السلطة الفلسطينية السياسية، بما يعكس توجهاً لإخراج المؤسسات التمثيلية في غزة من دائرة نفوذ حماس وربطها بخطاب سياسي موحد تقوده السلطة الفلسطينية.
وفي تطور لافت، كشف التقرير في موقع "أمد للاعلام" أن رئيس قائمة "دير البلح تجمعنا"، عدنان الفليت، وجّه رسالة الى الرئيس الاميركي دونالد ترامب عبّر فيها عن دعمه لخطة الرئيس لا سيما المعُروفة بـ"خطة النقاط العشرين" الذي تبناها مجلس الامن المتعلقة بمستقبل غزة وتأتي هذه الخطوة في سياق التحولات التي أعقبت حرب "طوفان الأقصى"، والتي تضمنت بنوداً تدعو إلى إعادة إدارة القطاع عبر هيئات مدنية ومحلية لا تكون حماس ممثلة فيها، ما يجعل انتخابات دير البلح انعكاساً عملياً لمحاولات تطبيق هذه الترتيبات السياسية على الأرض. داعياً إلى مواصلة تنفيذها بهدف تحقيق الاستقرار في القطاع. وذكرت الصحيفة أن الرسالة وصلت إلى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، فيما أكد الفليت أن قائمته تمثل شريحة من المهنيين الساعين إلى إعادة إعمار المدينة وإبعادها عن دوامة الصراعات السياسية والعسكرية.
وبحسب مصدر مقرّب للصحيفة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس ، فإن هذه الانتخابات تشكل محاولة لإظهار وحدة النظام السياسي الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ولو بصورة رمزية، في ظل سعي السلطة الفلسطينية إلى ترسيخ تصور سياسي وإداري موحد للأراضي الفلسطينية.
من جهتها، أوضحت لجنة الانتخابات أن اختيار دير البلح لإجراء هذه التجربة يعود إلى كونها من أقل مدن القطاع تضرراً مقارنة بمدينة رفح وخان يونس، الأمر الذي يجعل تنظيم الانتخابات فيها أكثر قابلية للتنفيذ وسط الدمار الواسع الذي خلفته الحرب الأخيرة. وبين البعد الإداري والرهانات السياسية، تبدو انتخابات دير البلح اختباراً حساساً لمستقبل شكل الحكم المحلي في غزة، ولإمكانية إعادة رسم التوازنات السياسية داخل القطاع في مرحلة ما بعد الحرب.