القائمة
12:55 22 نيسان 2026

غابت اصوات اصحاب الارض.. النشيد الإسرائيلي فوق ركام الجنوب

لبنان

قبل أشهر فقط، كانت القرى الجنوبية تنبض بالحياة، تعجّ بأهلها وأصوات أطفالها وحركة ناسها اليومية التي ملأت شوارعها وساحاتها. كانت بلدات حدودية حيّة، يصدح فيها صوت الناس لا أزيز الحرب. لكن بعد الحرب ووقف إطلاق النار، تبدّل المشهد بالكامل، فبدلًا من أن يعود أهلها إليها، تحوّلت إلى مسرح لعمليات دعاية إسرائيلية تستعرض فيها القوات الإسرائيلية قوتها فوق الركام. وفي مشاهد اذلال وموجعة تكسر القلب، يظهر جنود الجيش السرائيلي وهم ينشدون النشيد الإسرائيلي فوق أنقاض قرى مدمّرة وخالية من سكانها، في صورة تختصر حجم المأساة التي أصابت الجنوب اللبناني بعد الحرب التي فتحها حزب الله.

في فيديو متداول، نشره صحفي إسرائيلي يظهر عدد من الجنود الإسرائيليين وهم يرددون النشيد الوطني الاسرائيلي "هتكفا" وسط الدمار الهائل في إحدى القرى الجنوبية اللبنانية المدمّرة، بينما ترفرف الأعلام الإسرائيلية فوق الركام. ويُظهر المشهد حجم الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب، حيث تبدو المنازل مدمّرة بالكامل والطرقات محوّلة إلى أكوام من الحجارة والأنقاض.

حيث لا تظهر أي ملامح للحياة؛ لا سكان، ولا حركة، فقط أكوام من الحجارة والحديد الملتوي وبقايا منازل دمّرتها الغارات وعمليات النسف كما يوثّق الفيديو حالة الاحتفاء التي يبديها الجنود الإسرائيليون داخل المنطقة المدمّرة، في مشهد يختصر التحوّل الذي شهدته الحدود الجنوبية من قرى مأهولة بالسكان إلى مناطق عسكرية مدمّرة.

يواصل الجيش الاسرائيلي اعتماد سياسة الارض المحروقة من خلال تنفيذ عمليات هدم ونسف ممنهجة شملت عشرات البلدات والقرى في جنوب لبنان، الهادفة إلى إنشاء منطقة عازلة تمنع عودة أكثر من مليون نازح لبناني إلى ديارهم. حيث شهدت مناطق واسعة عمليات نسف ممنهجة للمنازل والأحياء السكنية. ففي القطاع الأوسط والشرقي، تعرّضت بلدات بنت جبيل، دير سريان، كفركلا، ميس الجبل، مركبا ومحيبيب لعمليات تفجير واسعة دمّرت مربعات سكنية كاملة، فيما أظهرت المشاهد القادمة من تلك المناطق حجم الخراب الذي حوّل أحياء بأكملها إلى ركام. كذلك طالت الغارات بلدتي دير الزهراني وحبوش قبل سريان اتفاقات التهدئة، مخلفة دمارًا واسعًا في البنية السكنية. أما في القطاع الغربي، فقد شهدت الناقورة تدمير أحياء كاملة، بينما تعرّضت بلدات البياضة وشمع لعمليات نسف طالت المنازل وحتى المقامات الدينية، في حين بدت بلدة المنصوري وكأنها مدينة منكوبة بعد الدمار الهائل الذي أصابها. ولم تكن منطقة البقاع بعيدة عن هذا المشهد، إذ تعرضت بلدتا سحمر ومشغرة لغارات عنيفة أدّت إلى تدمير منازل بشكل كامل، في مشهد يعكس حجم الكارثة التي خلّفتها الحرب التي فتحها حزب الله على الجبهة الجنوبية.

قبل اندلاع حرب إسناد غزة عام 2024، لم يكن هناك وجود عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، وكانت الحدود الجنوبية، خالية من أي احتلال مباشر أو نقاط تمركز إسرائيلية ثابتة داخل لبنان. لكن الحرب التي فتحها حزب الله تحت عنوان "إسناد غزة" في 8 اوكتوبر أدّت إلى تغييرات خطيرة، انتهت بتوقيع اتفاق قضى ببقاء الجيش الإسرائيلي في خمس نقاط داخل الجنوب اللبناني.

ومع فتح الحزب جبهة اسناد جديدة تحت شعار "ثأرًا لـخامنئي" في 2 اذار 2026، تصاعدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي إنشاء ما سمّاه "خط الدفاع الأمامي" في الجنوب، وهو شريط يمتد ل 55 قرية حدودية يمنع سكانها من العودة إليها. وقد ترافق ذلك مع اعتماد سياسة الأرض المحروقة، إذ تعرّضت عشرات البلدات الجنوبية لدمار واسع طال البنية التحتية والمنازل والأحياء السكنية، فيما تشير المعطيات إلى أن 37 بلدة حدودية على الأقل تعرّضت للمسح الكامل أو لتدمير شبه شامل لمبانيها.

اليوم، يجد الجنوب اللبناني نفسه أمام واقع جديد فرضته الحروب التي افتتحها حزب الله ، قرى مهدّمة، آلاف العائلات النازحة،الاف القتلى والجرحى، ومناطق واسعة تحوّلت إلى خطوط تماس عسكرية. وبينما رُفعت شعارات "الإسناد" و"الثأر"، يبقى السؤال المطروح: ماذا جنى لبنان من هذه المواجهات، بعدما انتقل الوضع من لبنان بلا وجود اسرائيلي، إلى احتلال لقرى داخل أراضيه ودمار غير مسبوق في بلداته الحدودية؟