بدأت تتكشف تباعاً الخسائر الاقتصادية للحرب المدمّرة التي ورّطت إيران لبنان فيها منذ الثاني من آذار الماضي، مع تقديرات رسمية أولية تعكس حجم الكارثة التي أصابت بنية الاقتصاد اللبناني.
وأعلن وزير المالية اللبناني ياسين جابر أنّ الأضرار المباشرة تُقدّر بنحو 7 مليارات دولار، في رقم مرشّح للارتفاع مع استمرار عمليات التقييم.
ويكتسب هذا التصريح أهمية خاصة كونه صادراً عن وزير تابع "حركة أمل" والمقرّب من رئيس مجلس النواب نبيه بري، ما يعكس حجم الإقرار داخل البيئة السياسية الحليفة لحزب الله بعمق الخسائر.
وفي موازاة هذا الانهيار، يحاول لبنان إعادة فتح قنوات الدعم الدولي، حيث أعلن جابر عن اجتماعات "مثمرة" مع صندوق النقد الدولي، مؤكداً التزام الحكومة بالسير في برنامج إصلاحي يفضي إلى اتفاق إقراض. إلا أن هذه الجهود اصطدمت بتداعيات التصعيد العسكري والضربات، التي أخّرت مسار التفاوض وأعادت ترتيب الأولويات.
كما أشار إلى أن زيارة الوفد اللبناني إلى واشنطن تأتي لتعزيز هذا التواصل، في ظل تعذّر حضور ممثلي هذه المؤسسات إلى لبنان بسبب الظروف الأمنية، كاشفاً أن البحث يتركّز على تأمين تمويل مخصص للعائلات الأكثر حاجة، بما فيها النازحون، عبر برامج الحماية الاجتماعية. ولفت إلى أن لبنان يستفيد من تمويل مهم من البنك الدولي، تعمل الحكومة على تفعيله سريعاً، مع التوجّه إلى إعادة تخصيص جزء منه لدعم الفئات ذات الدخل المحدود.
وفي ما يتعلق بالمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، كشف جابر أنها بلغت مرحلة متقدمة بعد وضع إطار خطة لخمس سنوات، يجري حالياً تعديلها بما يتلاءم مع تداعيات الحرب، ولا سيما تراجع النمو وارتفاع معدلات التضخم. وختم بالتأكيد أن الحكومة تعمل على تحديث هذه الخطة بما يعكس الواقع الاقتصادي الجديد، تمهيداً لإعادة إطلاق مسار الدعم الدولي للبنان، في ظل تداخل واضح بين المسارات الاقتصادية والتوازنات السياسية الداخلية والإقليمية.
ولم تقتصر تداعيات الحرب على الأرقام المجردة، بل انسحبت بشكل مباشر على مفاصل الاقتصاد كافة، حيث سجّل النشاط الاقتصادي تراجعاً حاداً في مختلف القطاعات. فقد انخفض الإنتاج بنسبة تقارب 50%، فيما دخل الاقتصاد مرحلة انكماش تُقدّر بنحو 7%، ما دفع البلاد فعلياً إلى حالة ركود اقتصادي شامل، في ظل غياب أي قدرة فورية على التعافي.
على مستوى القطاعات الإنتاجية، كان القطاع الصناعي من الأكثر تضرراً، مع تراجع يُقدّر بنحو 50% نتيجة توقّف عدد كبير من المصانع عن العمل، سواء بسبب الأضرار المباشرة أو تعذّر التشغيل في ظل الظروف الأمنية. أما القطاع الزراعي، الذي يشكّل ركيزة أساسية للأمن الغذائي، فقد سجّل بدوره تراجعاً بنسبة 40%، ما ينذر بتداعيات إضافية على مستوى الأسعار والمعيشة.
القطاع السياحي، الذي يُعدّ أحد أبرز مصادر العملة الصعبة للبنان، تلقّى الضربة الأقسى، إذ انخفضت نسبة إشغال الفنادق بنحو 95%، وتراجعت أعمال المطاعم بنسبة 90%، فيما خسرت مكاتب السفر نحو 80% من نشاطها. هذه المؤشرات لا تعكس فقط خسائر آنية، بل تهدّد بإخراج لبنان من الخريطة السياحية في المدى المنظور.
وفي المحصّلة، تكشف هذه الأرقام والتصريحات أن كلفة الحرب لم تعد سياسية أو عسكرية فحسب، بل تحوّلت إلى عبء اقتصادي ثقيل يدفع ثمنه اللبنانيون يومياً، في وقت تبدو فيه فرص الإنقاذ مرهونة بإصلاحات مؤلمة ومسار دولي معقّد، لا يزال يواجه عقبات داخلية وخارجية على حد سواء.