القائمة
08:23 17 نيسان 2026

إعلام المحور يصنع نصراً وهمياً "بشو انتصرتوا؟"

لبنان

في مشهدٍ يكاد يتكرّر مع كل محطة مفصلية في لبنان، تعود "الجوقة الإعلامية" المرتبطة بـحزب الله لتؤدي الدور نفسه: قلب الوقائع، إعادة صياغة السردية، وتجيير أي تطوّر سياسي أو ميداني لصالح "انتصار" مُفترض، حتى ولو كان الواقع يناقض ذلك بالكامل. وهذه المرة، لم يكن وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام استثناءً، بل تحوّل إلى نموذج صارخ عن كيفية صناعة "إنجاز وهمي" على حساب الحقيقة.

بدأت السردية من جريدة الأخبار، التي تجاهلت بشكل شبه كامل الجهود الدبلوماسية التي قادها رئيس الجمهورية، والاتصالات المكثفة التي جرت في واشنطن، بما فيها التواصل مع دونالد ترامب، والتي أفضت إلى وقف إطلاق النار. بدل ذلك، أعادت الصحيفة صياغة الحدث ضمن خطاب تعبوي، تُرجم في غلافها بعنوان "ويبقى زمن الانتصارات"، وفي مقالات تصعيدية مثل مقال إبراهيم الأمين “أميركا خسرت وإسرائيل خضعت والمقاومة أعادتنا إلى زمن الانتصارات”، وصولاً إلى مقال آخر لحمزة الخنسا وتوصيف الهدنة بأنها "مكياج أميركي لتجميل القبح اللبناني".

السردية الأولى: "انتصار"… نصر ماذا؟

تُروّج هذه الجوقة لفكرة "نصر" جديد، لكن من دون الإجابة على السؤال الأساسي: بشو انتصرتوا؟

هل بالقرى المهجّرة والمهدّمة؟ هل بآلاف القتلى والجرحى الذي بلغ عددهم 2196  قتيل و7185جريح؟ هل بالخسائر الاقتصادية الهائلة التي تكبّدها لبنان  التي وصلت الى 7 مليار دولار مبدئياُ؟ أم بالتوغّل الإسرائيلي الذي وصل إلى عمق 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية؟والوحدات السكنية المدمرة التي بلغعددها حوالي أربعين ألف وحدة سكنية...

في الواقع، لا تزال إسرائيل تصدر أوامر بعدم العودة إلى جنوب الليطاني وهذا يدل الى وجود احتلال للقرى، فيما عدد كبير من المقاتلين سقطوا في هذه الحرب. فهل كانت كل هذه الخسائر من أجل الوصول إلى وقف إطلاق نار؟ وهل كانت هذه الحرب أساساً من أجل هدنة مؤقتة؟

السردية الثانية: الشكر لإيران

هذه المقاربة الإعلامية لم تبقَ محصورة، بل تمدّدت إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث انطلقت حملات شكر علنية لإيران على أكثر من منصة. على "فايسبوك"، نشر قاسم قصير منشوراً دعا فيه صراحة إلى "حملة مليونية" بعنوان "شكراً إيران"، معتبراً أن الفضل في وقف إطلاق النار يعود لها، ومتهماً الآخرين بمحاولة "سرقة الإنجاز وتزييف الحقيقة". بالتوازي، انتشرت تصاميم بصرية على "فايسبوك" حملت عبارة "من لبنان لكم: شكراً إيران" مرفقة بصورة الأرزة اللبنانية، في محاولة لربط الهوية الوطنية بسردية خارجية.

كما شارك إعلاميون مقرّبون من الحزب في تثبيت هذه الرواية، إذ أعاد علي برو مراسل المنار عبر ستوري إنستغرام نشر تغريدة للشيخ حسين زين الدين تتحدّث عن "الصمود الإعجازي" و"الوفاء للجمهورية الإسلامية"، في كلام واضح إلى أن الإنجاز يُنسب لمحور المقاومة لا للدولة. وفي سياق أكثر حدّة، نُشرت صورة "رينجر" مرفقة بعبارة مسيئة لرئيس الجمهورية تحت عنوان "12:00 بالصرماية مش بالقسطل"، ما يعكس انتقال الخطاب من الترويج السياسي إلى الإهانة المباشرة. كذلك، نشر حسين مرتضى عبر ستوري إنستغرام فيديو توجّه فيه بالشكر إلى إيران و"المجاهدين"، متجاهلاً بالكامل أي دور رسمي لبناني.

ولم تتوقف الحملة عند حدود "نسب الفضل"، بل رافقها هجوم منظّم على مؤسسات الدولة، شمل شتائم طالت رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الجمهورية جوزيف عون، بالتوازي مع الترويج لفكرة أن ما جرى هو "انتصار إلهي" جديد، في الاحتفالات التي أطلقوا فيها الرصاص وقذائف B7.

لكن، بعيداً عن هذه الضوضاء، يفرض الواقع نفسه بسؤال بسيط: عن أي انتصار يتحدثون؟

الحقيقة التي تحاول هذه "الجوقة" طمسها هي أن ما جرى ليس انتصاراً، بل محاولة لتسويق الهزيمة بلباس النصر. فحين تُختزل تضحيات الناس ودماء القتلى في هدنة مؤقتة، ويُمحى دور الدولة لصالح رواية خارجية، نكون أمام أزمة أعمق من مجرد خلاف سياسي: أزمة وعي، وأزمة صدقية، وأزمة إعلام تابع لأجندات خارجية، لا ناقلاً لها.