في لحظة إقليمية دقيقة تتداخل فيها خطوط التفاوض مع مسارات التصعيد، يبرز تباين واضح في مقاربة كلّ من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد للملفات، خصوصاً ما يتصل بوقف إطلاق النار والتفاوض مع الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا التباين لا يقتصر على الأسلوب، بل يعكس رؤيتين مختلفتين لإدارة الصراع ودور الدولة.
من خلال تصريحاته، يظهر الرئيس بري كسياسي براغماتي يدير شبكة علاقات معقّدة، داخلياً وخارجياً. حديثه عن تواصل يومي مع طهران، وتأكيده تلقي ضمانات من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن شمول لبنان بأي هدنة، يضعه في موقع الوسيط الذي يسعى لتثبيت موقع لبنان ضمن التفاهمات الإقليمية. كما أن تحرّكه عبر إرسال النائب علي حسن خليل إلى الرياض، بطلب سعودي، يعكس انفتاحاً على قنوات متعددة، وعدم الارتهان لمسار واحد. هذه المقاربة تُظهر بري كمن يوازن بين النفوذ الإيراني والانفتاح العربي، محاولاً تأمين مكاسب سياسية ضمن واقع معقّد.
في المقابل، يتخذ محمد رعد خطاباً تصعيدياً حاداً، يرفض بشكل قاطع مسار التفاوض، ويعتبره "سقطة" و"تكريساً للتبعية". بيان رعد لا يكتفي بانتقاد الشكل، بل يضرب في عمق شرعية المسار التفاوضي برمّته، متهماً السلطة بالتخلي عن السيادة والانخراط في مشروع يستهدف نزع سلاح "المقاومة". هذا الخطاب يعكس تمسّكاً عقائدياً بثوابت "حزب الله"، حيث لا تُقدَّم أي مرونة سياسية خصوصاً بعد اعلان نشاط حزب الله خارج عن القانون.
اللافت أن بري، رغم موقعه داخل البيئة السياسية نفسها، يعتمد لغة مختلفة تماماً. فهو لا ينفي أهمية وقف إطلاق النار، بل يسعى إلى إدراجه ضمن تسويات أوسع، مستخدماً أدوات الدولة والدبلوماسية. بينما يذهب رعد إلى نزع الشرعية عن هذه الأدوات نفسها، معتبراً أن أي تفاوض مباشر هو خضوع للإرادة الأميركية.
هذا التناقض يكشف عن ازدواجية في إدارة الملف داخل الفريق الواحد: جناح يتقن لعبة التفاوض ويجيد قراءة التحولات الدولية، وآخر يرفع سقف المواجهة ويرفض تقديم أي غطاء سياسي لمسارات التسوية. في المحصلة، لا يعكس الخلاف مجرد اختلاف في التعبير، بل صراعاً ضمنياً على تحديد بوصلة القرار.