في سابقة دبلوماسية، جرى اتصال هاتفي مباشر هو الأول من نوعه بين سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى معوض والسفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر، بمشاركة السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، تمهيدًا لعقد اجتماع مباشر بين الطرفين في وزارة الخارجية الأميركية يوم غد الثلاثاء.
ويُعد هذا الاتصال أول تواصل مباشر على مستوى دبلوماسي بين الجانبين، بعد عقود من الاتصالات التي بقيت محصورة في أطر عسكرية أو تقنية أو برعاية دولية.
تاريخيًا، تعود أولى اللقاءات الرسمية إلى اتفاقية الهدنة عام 1949، حيث اجتمع وفدان عسكريان من لبنان وإسرائيل في الناقورة برعاية الأمم المتحدة ضمن لجنة الهدنة المشتركة، في أول إطار اتصال مباشر بين الطرفين.
أما أول مفاوضات سياسية مباشرة فجرت عام 1983، التي أنتجت اتفاق 17 أيار 1983، حيث عقدت جلسات تفاوض بين وفدين رسميين لبناني وإسرائيلي برعاية أميركية، قبل أن ينهار الاتفاق بعد أقل من عام تحت ضغط الرفض الداخلي والضغط الاقليمي .
وفي عام 1996، أدت جهود رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري لوقف حرب "عناقيد الغضب"، إلى إنشاء لجنة مراقبة عسكرية بموجب "تفاهم نيسان"، ضمّت الولايات المتحدة وفرنسا وسوريا ولبنان وإسرائيل، وشكّلت إطارًا لاجتماعات ضمّت ممثلين عن الطرفين، لكن ضمن آلية دولية غير مباشرة لإدارة الاشتباك.
بعد حرب تموز 2006، وهي الأولى بعد الانسحاب الإسرائيلي العام 2000، انتقل التواصل إلى الاجتماعات الثلاثية في الناقورة بين الجيش اللبناني والإسرائيلي برعاية “اليونيفيل”، ضمن آلية بهدف تطبيق القرار 1701، حيث اقتصرت اللقاءات على ضباط وتقنيين، من دون أي تمثيل سياسي مباشر.
وفي عام 2020، عُقدت جلسات مفاوضات تقنية غير مباشرة لترسيم الحدود البحرية في الناقورة، حيث جلس وفدان لبناني وإسرائيلي في قاعة واحدة برعاية أميركية وأممية، ضمن إطار تقني–تفاوضي انتهى باتفاق 2022.
أما التطور الأبرز، فكان بعد اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، حيث أُنشئت لجنة دولية عسكرية جديدة لمراقبة تنفيذ الاتفاق، ضمّت لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا و”اليونيفيل”، عرفا باسم "الميكانيزم"، وقد توسّع دور هذه اللجنة لاحقًا ليشمل نقاشات تتجاوز الإطار العسكري، خصوصًا بعد موافقة لبنان في كانون الاول 2025 على إشراك مدني في اجتماعاتها، وجرى اختيار السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم.
وفي 3 كانون الأول 2025، شهدت هذه الآلية مباحثات غير مباشرة بين الجانبين، رأس الجانب اللبناني فيه السفير كرم، إلى جانب مسؤولين إسرائيليين وأميركيين، حيث طُرحت ملفات تتجاوز الأمن إلى التعاون الاقتصادي في المناطق الحدودية، ما شكّل خطوة متقدمة مقارنة بكل الأطر السابقة.
من هنا، لا يأتي الاتصال الأخير بين معوض وليتر من فراغ، بل يندرج ضمن مسار تصاعدي من الاتصالات، انتقل تدريجيًا من الهدنة العسكرية، إلى لجان المراقبة، ثم إلى مفاوضات تقنية، وصولًا اليوم إلى تواصل ديبلوماسي مباشر، ضمن الاستعداد الذي ابدته الدولة اللبنانية، ممثلة بشكل خاص برئاسة الجمهورية من اجل عقد مباحثات مباشرة سياسية بين لبنان وإسرائيل لوقف الحرب.
ورغم أن هذا التطور يعكس تقدّمًا في شكل التواصل، يبقى السؤال الأساسي ما إذا كان سيؤدي إلى مسار تفاوضي فعلي مختلف، أم أنه سيبقى امتدادًا لمسار طويل من الاتصالات التي نجحت في إدارة الصراع بين لبنان وإسرائيل… من دون أن تنجح يومًا في إنهائه.